النجف نيوز – رؤية الله تعالى بالبصر العيني حوار موسى (عليه السلام) مع الله تعالى قراءة بمنطق تحليل الخطاب

نوفمبر 2, 2013
5

د. سيروان عبد الزهرة الجنابي كلية الفقه/ جامعة الكوفة

ومن جنس الشبهات التي أثيرتْ على النبي موسى من اجل الطعن في عصمته هي القول بأنَّه طلب رؤية الله تعالى جهراً؛ بل لعل هذه الاشكالية العقائدية تعد من أقوى المنافذ التي يمكن أنْ يطعن فيها موسى؛ وذلك تحديداً في قوله الله تعالى على لسان موسى (عليه السلام) ((وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ))( ) إذ اعتُرِضَ على هذا المطلب بقولهم: ((إنَّ مثل هذا السؤال المنكر لايحصل إلا من الجاهلين فكيف تفسرون صدروه من موسى (عليه السلام) ))( ).

وإذا ما حاولنا قراءة النص بمنطق  التحليل اللغوي ردَاً على مقولة المعترضين فإنَّا سنجد أنَّ موسى (عليه السلام) لم يرَ الله سبحانه البتة؛ ذلك بأنَّه طلب رؤيته ابتداءً على وفق مطلب قومه لا أنَّ موسى طلب ذلك ابتداءً فهو مؤمن بوجود الله سبحانه بأنَّه الخالق الأوحد؛ بيد أنَّ قومَهُ كانوا شديدي الإلحاح عليه في هذا الأمر* فأراد أنْ يثبت لهم شيئاً لا لنفسه، والدليل على ذلك صيغة طلبه بحذف المفعول به من الفعل (ارني) وتصدير الطلب بقوله (رَبِّ) حيث استعمل لفظة (رَبِّ) التي تدل على الرعاية والاهتمام وحسن التنشئة من عند الله تعالى فهو الذي راعى موسى حينما كان صغيراً وحفظه من المكاره حتى بعثه إلى قومه؛ فانَّ قول موسى مُصدِّراً حديثه بـ (رَبِّ) فيه دلالة واضحة على اعترافه بخالقية الله تعالى ومدى فضله ورعايته له تحديداً؛ فهو لا يشكك فيه البتة بدليل إقراره بخالقيته وتوثيقه لرعايته، ثم نلحظ أن موسى (عليه السلام) قد حذف (ياء) المتكلم في طلبه فالواجب أن يقول (ربِّي) على حين نجد أن الخطاب قد صيغ بحذف الياء ويبدو أن مرد الأمر  يعود إلى الخجل والحرج الذي كان يشعر به موسى (عليه السلام) حينما طلب من الله سبحانه – وهو خالقه- هذا المطلب؛ لذا حذف للسرعة والوجل فالمقام لايستدعي الإطالة فكأنَّه خاطبه على حياءً وتردد وحرج .

أما حذفه المفعول به الثاني من فعل الرؤية في قوله (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) فعلته تستند إلى قاعدة لغوية غاية في الروعة والإبداع ألا وهي إفادة معنى  الإطلاق فـ ((ثاني المفعول ارني محذوف: أي أرني نفسَكَ انظر إليك))( ) وقد ورد هذا  الحذف للدلالة  على أنَّ الرؤية مطلقة، والإطلاق هنا يقتضي الإبهام، وهذا ما يجب أنْ يكون؛ لانَّ موسى (عليه السلام) لا يسعه أنْ يقول لله تعالى هنا (أرني نفسَكَ)، فحذف المفعول الثاني أدباً منه واجلالاً لربّه العظيم الذي جعل الجبل دكاً بنوره وقدرته؛ لذا أطلق الرؤية هنا دون تقييدها بكلمة (نفسك)؛ للإجلال من جهة ولكي تبقى الرؤية مبهمة دون تحديد من جهة أخرى، ولعل في هذا حلاً للمشكل الفكري في الاستدلال بالآية على جواز رؤية الله تعالى المختلف عليها، و فيها تنقية لفهم موسى(عليه السلام) لحقيقة الألوهية، فطلبه مع الحمل على الإطلاق أنزه  لمقام النبوة( ).

      جاء في (دلائل الإعجاز): ((فاعلم أَنَ أغراضَ الناس تختلفُ في ذِكْرِ الأفعالِ المتعدِّية فَهُمْ يذكرونها تارةً ومُرادُهم أنْ يقتصروا على إثباتِ المعاني التي اشتقَّت منها لفاعلين من غير أن يتعرَّضُوا لذكرِ المفعولين، فإِذا كان الأمرُ كذلك كان الفعلُ المتعدي كغير المتعدي مثلاً في أنك لا 

ترى مفعولاً لا لفظاً ولا تقديراً، ومثالُ ذلك قولُ الناس: فلانٌ يَحُلُّ ويَعقِد ويأمرُ وَينهَى ويَضُرُّ وَيَنْفَعُ، وكقولهم : هُوَ يُعْطي ويُجْزِلْ ويَقْري ويُضيفُ، المعنى في جميع ذلك على إثباتِ المعنى في نفسهِ للشيء على الإطلاق.

… ألا ترى أنك إذا قلتَ: هو يُعطي الدنانيرَ؛ كان المعنى على أنك قصدتَ أن تُعْلِم السامعَ أنَّ الدنانيرَ تدخُلُ في عطائِه أو أنه يعطيها خصوصاً دونَ غيرها، وكان غَرضُك على الجملة بيانَ جنسِ ما تناولَه الإعطاءُ لا الإعطاءَ في نفسِه))( ).

          أي انَّكَ إذا قلت: (قد وقعَ منك ما يُؤذي) أي يؤدي إلى الإيذاء؛ فإنَّ هذا يدل على إطلاق الإيذاء، ولو قلت: (مايُؤذِيني) لكنتَ قيَّدت الإيذاء بك، وهناك فرق دلالي بين التعبيرين وهذا ظاهر؛ فالأول الإيذاء فيه مطلق، والثاني مـُقَيَّد، وما يؤذيك ربما لا يؤذي غيرك، فإذا أردتَ أنَّ ما وقع منه يؤدي إلى الإيذاء مطلقاً لم تذكرْ المفعول، وان أردتَ أن ما وقعَ منه يؤذي  واحداً أو صنفاً بعينه؛ قيَّدتَ بذلك الصنف الواحد( ).    

           أما قوله (انظرْ إليك) فهو لا يفيد بالضرورة حتمية الرؤية له سبحانه؛ ذلك بانَّ النظر يباين الرؤية في المعنى فليس كل من ينظر يرى تحديداً ويُشخِّصُ المنظور إليه؛ إذ إنَّ النظر هو التوجُّه بالبصر نحو شيء دون اشتراط بحاكمية رؤيته تحديداً؛ فأنت تقول مثلاً: أنا انظرُ إلى الهلالِ لكنِّي لا أراهُ، فكأنَّك تتوجَّه ببصرك نحوه لكنَّكَ لا تحدُّهُ ببصرِكِ حتّى تتمكن من رؤيته بالحد، وقد تنبَّه العسكري على هذا المعنى في صدد تفريقه بين الرؤية والنظر؛ إذ قال: ((إنَّ النظر طلب الهدى، والشاهد قولهم نظرتُ فلم أرَ شيئاً))( ) فـ ((النظر تقليب العين حيال مكان المرئي طلباً لرؤيته، والرؤية هي إدراك المرئي، ولما كان الله تعالى يرى الأشياء من حيث لا يطلب رؤيتها صحَّ أنَّّه لا يوصف بالنظر))( ).

     ويقول الخليل في معنى النظر أيضاً ((نَظَرت إلى كذا وكذا من نَظَر العين ونَظَر القلب))( ) ويوافقه في هذا العسكري حيث يقول: ((والنظر بالقلب من جهة التَّفكُّر))( ) فنجد أنَّ دلالة النظر لا تنحصر في الرؤية العينية تحديداً؛ بل يمكن أن تنصرف إلى الرؤيا القلبية – كما رأى السيد الصدر ذلك- فلرُبَّما كان معنى النظر في الآية الكريمة هو (رب ارني شيئاً يزيد إيماني بكَ في قلبي)، وقد تكون بمعنى الرجاء أي رب ارني شيئاً – تأسيساً على حذف المفعول وإفادة الإطلاق- فإنّي أرجوكَ لذلك؛ إذ ينقل عن الخليل قوله: ((ويقولُ القائلُ للمؤمل يرجوه: إنَّما أنظرُ إلى اللهِ ثم إليكَ أي أتوقعُ فضلَ اللهِ ثم فضلَكَ))( )، من هنا نجد أن ثمة فسحةً دلاليةً تُمكِّن من عدم حمل معنى النظر على دلالة البصر بالضرورة؛ وإنْ حملنا على معنى النظر البصري فلا يعني هذا بالحتمية أنَّ دلالة النظر تقتضي الرؤية التشخيصية فلا دليل على هذا المعنى البتة.

فضلاً عن أنَّ مقولة موسى (انظرْ إليك) تدل – بناءً على التقريرات النحوية- على أنَّها جواب طلب لفعل الرؤية؛ ولهذا ورد فعل (النظر) مجزوماً ويؤسس على هذا الجزم معنى تعليل الرؤية؛ إذ إنَّ المراد من قول موسى (أرني) هو جواب الطلب (انظرْ إليك) بمعنى أرني شيئاً كي انظر إليك، ولا يمكن – والحال هذه- حمل فعل الرؤية على النظر العيني لأنَّ حدث الرؤية يأتي بعد حدث النظر؛ ذلك بأنَّ النظر كما تقرَّر هو توجيه البصر من دون حدوث رؤية عينيّة تجسيديّة للشيء ابتداءً على حين أنَّ الرؤية يتحقق فيها التشخيص التجسيدي وهذه النمط من عملية الإبصار يأتي 

بالضرورة بعد أنْ يوجِّه الشخص بصره إلى الشيء أصالةً أي بعد حدوث النظر الابتدائي وتحققه أولاً، فإذا قلنا إنَّ المعنى هو ربِّ اجعلني أتحقق من وجودك ببصري بالرؤية العينية التجسدية؛ فلا داعي – والحال هذه- أنْ يرد النظر بعد الرؤية لأن حدث النظر مُنتفٍ بفعل وجود الرؤية؛ فالنظر مرحلة سابقة على الرؤية والرؤية عملية لاحقة به؛ لأنَّ تسديد البصر يرد أولاً ومن ثمة يحدث التشخيص عياناً فيما بعد في حال تمكَّنَ الشخصُ من ذلك التشخيص؛ من هنا نجد أنَّ جزم الفعل (انظرْ) أدى إلى نفي إمكانية القول بانَّ المراد من الرؤية هو الرؤية البصرية التشخيصية لله سبحانه؛ بل المراد هو رؤية شيء من قدرته حتّى يتسنّى لموسى النظر إليه سبحانه، ونحسب أنَّ المراد  من النظر– في هذا الموضع – هو معنى التأمُّل والتَّفكّر في الله عظمةً وهيبةً؛ فيكون المعنى – تأسيساً على هذا الاستدلال – أرني شيئاً من قدرتك عياناً وتشخيصاً حتّى أتأمَّل عظمتك واستشعر مديات هيبتك ومكانتك القدسيّة المطلقة؛ فأدرك وجودك تخصيصاً في قدرتك لا تشخيصاً في ذاتك.   

وما يُعزِّز الفارق الدلالي بين فعل النظر وفعل الرؤية هو إجابته سبحانه لموسى (عليه السلام) حيث (قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) فقوله (لَنْ تَرَانِي) فيه دلالة واضحة على أنَّ الرؤية غير مُمكنة عليه سبحانه؛ لأنَّ الرؤية تدل على المعنى التشخيصي العيني لله سبحانه وهذا الأمر محالٌ أن يجري عليه البتة، على حين قال (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) فاستعمل – ههنا- لفظة النظر لأنَّها تعني التوجُّه بالبصر فحسب دون اشتراط الرؤية البصرية، أما قوله (فسوف تراني) -بمعنى البصر التشخيصي- فلا يدل أبداً على رؤيته سبحانه؛ ذلك بان الله تعالى قد وظَّف الخطاب الاشتراطي في كلامه لدفع امكانية رؤيته( )؛ إذ استعمل أسلوب الشرط الذي يقتضي إلا يتحقق جواب الشرط إلا بتحقق فعله حيث قال سبحانه (انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) فنلحظ انَّه صدَّر كلامه الاشتراطي بـ (إن) وهي من حروف الشرط التي تدخل على مضامين الجمل الظنّية الحدوث بمعنى أن امكانية رؤيته سبحانه هي ظنِّيّة الحصول لا يقينيّة ثم جعل جواب الشرط (رؤيته) مرتبطاً بتحقق فعل الشرط (استقرار الجبل)؛ إذ قال فإنَّ استقر الجبل في مكانه فسوف تراني تشخيصاً، على حين أنْ تكملتَنا لنهاية الخطاب يثبت لنا أنَّ الجبل لن يستقر أبداً بدلالة جعله (دكاً) فحينما لم يستقر الجبل – لم يتحقق فعل الشرط- لم تحدث الرؤية، ولن تحدث الرؤية البتة لعدم استقرار الجبل، ومن المفارقات التفسيرية اللطيفة ما نقله الشوكاني عن الاشعرية حيث ((قالوا: إن تعليق الرؤية باستقرار الجبل يدل على أنها جائزة غير ممتنعة))( ) بيد أنَِّهم لم يلتفتوا إلى أن الرؤية في النص كانت مُعلَّقة بتحقق الجواب الذي لم يتحقق أبداً فانتفت الرؤية بانتفاء الجواب المـُعلَّقة عليه؛ من هنا نستدل على أنَّ دلالة النفي بـ (لن) في قوله (لن تراني) هي تأبيدية في حقيقتها؛ إذ لا يمكن لموسى أنْ يرى الله البتة؛ لأنَّ ذلك داخل في نطاق المحال العقلي والواقعي على حد سواء، ثم أنَّ الله تعالى لا يكذب البتة في خطابه الإجابي على مطلب موسى (عليه السلام) حيث قال: (لن تراني)، وهذه العبارة تفيد النفي القطعي منه تعالى فكيف يستأنف كلامه بعد ذلك ويحقق له الرؤية بعد أن نفاها ابتداءً.

 أما قوله تعالى (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً) فلا يدل فيه فعل (التَجلِّي) على معنى  نزول الله تعالى إلى عالم الدنيا ليتسنّى لموسى رؤيته كما اعتقد بذلك بعض المفسرين( )؛ بل إن المراد هو تجلِّي قدرته تعالى التي جعلت الجبل دكاً ( )، فكأنَّ الله تعالى حينما 

طلبَ موسى رؤيتَه تأسيساً على إلحاح قومه عليه قال له: إذا أردتَ رؤيتي إرضاءً لقومه فسوف أريكَ مَنْ أنا؛ فأمرَ سبحانه الجبلَ العظيمَ الذي كان موسى ينظرُ إليه فغدا دكاً في لحظة واحدة؛ ومن الجميل في التعبير المعجز استعماله سبحانه للفظة (دكاً) مرة واحدة من دون تكرار؛ للدلالة على سرعة قدرته سبحانه في أداء المـُنجَز المطلوب، فلو قال سبحانه: (فجعله دكاً دكاً) لكان المعنى إن الجبلَ تحطمَ تدريجياً دكاً بعد دكٍ بعد دك، على حين أن اختزاله سبحانه لتعداد الدك بلفظة واحدة (دكاً) قد اظهر مديات قصوى لقدرته سبحانه وهذا انسب لبث دلالة الرهبة لمضمون السؤال وحيثية الإجابة في وقت واحد حيث انهار الجبل الرهيب في لحظة واحدة كلمح البصر* فقدرته سبحانه لم تتجلَ – ههنا- في عملية تفتت الجبل فحسب؛ بل في السرعة القصوى التي تحطَّم بها هذا الجبل المرعِب  بتلك الصورة الأكثر رعباً وهيبةً؛ لذا ارتعد موسى من هذا الأمر وأدرك أن الله اكبر من أن يراه احدٌ من العباد فكأنَّ الله تعالى بفعله هذا أراد أن يقول لموسى انَّكَ تستطيع أن تراني في قدرتي المتجلِّية في جميع مشاهد هذا الكون الفسيح فأي شيء تراه فهو من صُنعي وسوف تجدني فيه حيث تنظر، من هنا يكون التجلّي للقدرة الإلهية لا للذات الخالقة، فإذا ما صُعِقَ موسى برؤيته للمحةٍ من لمحاتِ قدرته سبحانه حينما تجلَّت للجبل فكيف له أن يرى الله نفسه فهذا أمر محال على موسى وعلى غيره مطلقاً. 

    وأدل ما يدل على أنَّ موسى لم يرَ الله تعالى هي مقولته  في ختام الآية مرعوباً (قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) فبعد أن أفاق موسى من هول ما رأى قال مقولته هذه؛  فكأنَّه شعرَ في هذه اللحظة انَّه كان من المفترض ألا يسأل الله تعالى هذا السؤال حتّى وإن كان على لسان قومه؛ لأنَّ اللهَ اكبر من يُطلَب منه هذا الأمر حتّى إنْ كان على وجه الاستدلال والتيقُّن من وجوده سبحانه؛ لأنَّ دلائل قدرته موجودة في كل شيء وفي كل مكان وما على المرء إلا أنْ ينظر قليلاً ويتأمَّلً حتّى يجدَ أنَّ الله ماثلاً أمامه من دون الحاجة إلى رؤيته تشخيصاً؛ ولهذا عبَّر موسى (عليه السلام) عن ندمه وأسفه بقوله (سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ) فقوله ابتداءً (سبحانك) فيه دلالة واضحة على تنزيه الله تعالى عن الرؤية؛ لأنَّ الله سبحانه لا يحتمل رؤيته احدٌ البتة هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإنَّ مقولته (تُبْتُ إِلَيْكَ) يدل فيها فعل (التوبة) على معنى الندم والشعور بالضيق لما حَدَثَ ولا تَعني أنَّ موسى قد اقترفَ ذنباً وأنَّه يستغفرُ الله تعالى منه وهو تائبٌ الآن؛ بل جاءت توبتُهُ هذه بلحاظ  الأوْلَى أي إنَّ الأوْلَى به وله أنْ لا يطلب هذا المطلب من الله تعالى؛ لهذا شعرَ بالأسى على ما وقع فعزَّز مقولته وشدة إيمانه بالله تعالى بقوله (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بك لما رأيت وتيقنت من عظمتك وربوبيتك فأنت الإله الأوحد والخالق المتفرد من دون منافس أو منازع أو شريك البتة،فسبحانه اللهم عمَّا يصفون. 

———————-

(1 ) سورة الأعراف: 143. 

(2 ) السيد الصدر: الأنظار التفسيرية: 601.

(3 ) الزمخشري:الكشاف:2/143- 144، وينظر: الطبرسي:مجمع البيان:2/474.

(4 ) ينظر: سيروان عبد الزهرة الجنابي: الإطلاق والتقييد في النص القرآني: 53- 54.

(5 ) الجرجاني:دلائل الإعجاز:127-128، وينظر: السكاكي :مفتاح العلوم:99،  والقزويني:الإيضاح في علوم البلاغة:103-104، والسيوطي:همع الهوامع:1/167 ، وينظر: فاضل صالح  السامرائي: معاني النحو :2/82- 83.

(6 ) ينظر: فاضل صالح السامرائي:معاني النحو:2/83.

(7 ) العسكري: الفروق اللغوية: 543.

(8 ) م. ن: 543.

(9 ) الفراهيدي: العين:8/155، وابن منظور: لسان العرب:215/5. 

(10 ) العسكري: الفروق اللغوية: 543.

(11 ) الفراهيدي: العين:8/156، وابن منظور: لسان العرب: 215/5.

(12 )  ينظر: الطوسي: التبيان:4/536، والشيرازي: الأمثل:5/208. 

(13 ) الشوكاني: فتح القدير:2/354.

* يقصد بـ ((الدَّك: الدقّ وقد دَكَكْتُ الشيء أَدُكُّه دَكّاً إذا ضربته وكسرته حتى سوّيته بالأَرض))، ينظر: ابن منظور: لسان العرب:10/424، والزبيدي: تاج العروس:27/150، والرازي: مختار الصحاح:218، والزمخشري: الكشاف:2/147، والشوكاني: فتح القدير:2/354.

(14 ) ينظر: السيوطي: الدر المنثور: 3/545، النسفي: تفسير النسفي: 2/35، والالوسي: روح المعاني: 9/45، والثعالبي: تفسير الثعالبي: 2/53، شهاب الدين المصري: التبيان في غريب القرآن: 1/209.

( 15) ينظر: الزمخشري: الكشاف:2/148، والطوسي: التبيان:4/536، والشوكاني: فتح القدير: 7/246، والبيضاوي: تفسير البيضاوي: 1/56، و السبزواري النجفي: الجديد في تفسير القرآن المجيد:3/209.

——————————-

الباحث

د. سيروان عبد الزهرة الجنابي

 كلية الفقه/ جامعة الكوفة

dr_sn76@yahoo.com أميل

استاذ تحليل النص المساعد

التخصص الدقيق: الدلالة القرآنية

التصنيفات : ارشيف الاخبار
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان