النجف نيوز – متخصصون: زيادة ملحوظة لمرضى التوحد في العراق

نوفمبر 2, 2013
19

النجف نيوز /متابعة -بغداد – سها الشيخلي

 ظلت عينا الطفل احمد  ( 8 سنوات ) شاردتين وكأنه ينظر الى مستقبل مجهول، وما إن سألته عن حاله حتى ادار لي ظهره، رافعا سبابته الى اذنه ، أشارت لي أمه ان اتركه الى تطلعاته وأن لا ازعجه ، وأدعه وتأملاته في عالمه الخاص، وتؤكد أم احمد انها تفاجأت بمرض طفلها، الذي لم تكن تعرف عنه شيئاً، مع العلم ان لديها ثلاث بنات اكبر من احمد، وهن بحالة جيدة.

وبحزن وشت به نبرات صوتها، وهي تحاول ان تخفي نشيجا في أعماق نفسها، أكدت أم أحمد، ان الطبيب اخبرها ان طفلها مصاب بمرض التوحد، الذي اخذت اعداده بالزيادة  في السنوات الاخيرة،  والاسباب عديدة، كما شرح لها الطبيب. فالمرض ما زال محيرا، ويصيب الذكور اربعة  اضعاف ما يصيب البنات، وهو كما يشير طبيب احمد، من الامراض الغامضة  بالنسبة  لكل من اهل المريض والطبيب المعالج. 

التشخيص والعلاج 

تؤكد والدة الطفل احمد ان الدكتور المعالج قد اعلمها ان مرض ابنها يعد  من الامراض المحيرة،  اما عن اسباب انتشار هذا المرض فيعزوها الاطباء المختصون  الى تلوث البيئة  بالمعادن السامة مثل الرصاص والزئبق ، الا ان البحوث ما زالت جارية سواء في التشخيص، والطرق العلاجية.

وتشير ام احمد ان مرضى التوحد بحاجة الى عناية خاصة وبرامج معدة مسبقا للسيطرة على مشاعر وأحاسيس مرضى التوحد، الذين هم عادة من الاطفال  الذين لا تتجاوز اعمارهم الـ4 الى5 سنوات .

 تقول ام احمد انها اكتشفت مرض ابنها في العام الثاني من عمره  بسبب سلوكياته ، حيث كان يقوم  بحركات متكررة واهتمامات محددة، مع ضعف التواصل الاجتماعي واللغوي منذ السنة الاولى، وفي حالات اخرى كان احمد يمر بمرحلة تطور طبيعية، كالسير وضهور الاسنان، الا انه صار يفقد المهارات اللغوية او الاجتماعية بعد تخطيه العام الثاني من عمره، وكان احيانا يمر بحالات اختناق او صعوبة في التنفس وتغييرات سلوكية.

 أم احمد لا تزال تأمل شفاء ولدها، فالطبيب – كما تقول – أخبرها ان المرض من الامراض القابلة للشفاء، وهو ليس من الامراض الوراثية، ويأتي عادة نتيجة السموم في البيئة.

اراء الاطباء

يؤكد الدكتور الخاص بطب الاطفال علي عبد الهادي: أن المرض 

يحتاج في التشخيص والعلاج الى اختصاصيين باطنيين، واطباء  في مجال الغدد الصماء، ونفسانيين وسلوكيين ومختصين في التربية او التعليم ، ويتم تشخيص المرض من خلال توجيه نحو 400 سؤال الى المصاب، للكشف عن اصابته بالتوحد او بأمراض نفسية اخرى، ومن تلك الاسئلة اسمه واسم والديه، ففي معظم الاحيان لا يعرف الطفل المصاب بالتوحد أو( الانعزالية) اسم والديه، بل احيانا لا يعرفهم تماما، وبالتالي فإن التوحد ليس (ضرباً من الجنون)، ولا يعد المصابون به من الاطفال المشوهين، والذين يطلق عليهم عبارة (منغولي)، وانما هو من الامراض النفسية، ويجب أن يعامل الطفل المصاب بالتوحد، معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة.

ويضيف: والتوحد هو إحدى حالات الاعاقة التي تعوق من استيعاب المخ للمعلومات وكيفية معالجتها، وتؤدي إلى حدوث مشكلات لدى الطفل في كيفية الاتصال بمن حوله واضطرابات في اكتساب مهارات التعليم السلوكى والاجتماعي، ويعد من أكثر الأمراض شيوعا، التي تصيب الجهاز التطوري للاطفال، وينصح الدكتور عبد الهادي اهل المريض بعدم القلق والحزن لان ذلك يؤثر في نفسية الطفل.

اما الاسباب الاخرى للمرض فقد تكون  اخذ المضادات الحيوية بكثرة كما يقول الدكتور عبد الهادي، اضافة الى وجود قابلية جينية وراثية لدى الطفل تكون اسبابها مجهولة، لكن الأبحاث الحالية تربطه بالاختلافات البيولوجية والعصبية للمخ، ويلاحظ أن الأطفال الذين يعانون من التوحد يعانون من حساسية من مادة الكازين (توجد في لبن وحليب الأبقار والماعز) وكذلك الجلوتين وهى مادة بروتينية موجودة في القمح والشعير والشوفان.

ويجري فحص التوحد في الدول المتقدمة بشكل مبكر عندما يبلغ الطفل من العمر 18 شهرا في مراكز متخصصة.

وذلك باستعمال اختبارات عالمية معتمدة في تشخيص التوحد، ويعتمد التشخيص الدقيق الوحيد على الملاحظة المباشرة لسلوك الفرد وعلاقاته بالآخرين ومعدلات نموه.

ولا مانع من اللجوء في بعض الأحيان إلى الاختبارات الطبية لأن هناك العديد من الأنماط السلوكية يشترك فيها التوحد مع الاضطرابات السلوكية الأخرى.

العلاج

ولا يكفى السلوك بمفرده وإنما مراحل نمو الطفل الطبيعية مهمة للغاية، ومن الطرق العلاجية المستعملة،  والتي تأتي بنتائج جيدة عند تطبيقها منذ الوهلة الأولى لظهور الأعراض، هي تطبيع البرنامج التعليمي المكثف، والتعليم والتدخل المبكر.

إن عدد الساعات التعليمية التي يحتاجها الطفل المصاب بالتوحد تقدر بنحو 40 ساعة اسبوعيا، ويفضل عدم ترك الطفل يشكو من الفراغ  أو مشاهدة التلفاز أو الفيديو لساعات طويلة، ولا بد أن يكون هناك تنظيم للوقت واستغلاله في التعليم وتطبيق برنامج منزلي هادف، كما يوجد عدد من الأدوية التي لها تأثير فعال في علاج سلوك الطفل الذي يعانى من التوحد، ومن هذا السلوك، فرط النشاط، والقلق، ونقص القدرة على التركيز والاندفاع، والهدف من الأدوية هو تخفيف حدة هذا السلوك كي يستطيع الطفل ممارسة حياته التعليمية والاجتماعية بشكل سوي إلى حد ما.

الدكتورة بشرى توفيق  رئيسة منظمة اطفال اليوم، اشارت الى ان الاهمال يطال كل المرضى فكيف اذا كانوا مرضى نفسيين، فالحكومة وخاصة وزارة الصحة لا تولي الاهتمام المطلوب للأطفال المصابين بمرض التوحد، فليست هناك رعاية حتى لو كانت في ادنى مستوياتها ، كما ان البلد يخلو من معاهد ترعى هؤلاء الاطفال فالكل في نظر الوزارات المعنية، ومنها على وجه الخصوص، وزارتا الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية، تنظر للجميع من دون استثناء على انهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وتزيد الدكتورة بشرى: ان وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تنظر الى المسنين على انهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، في حين انهم ليسوا مرضى بل هم في كامل قواهم الصحية، الا ان ذويهم تخلوا عنهم لأسباب هي بالتأكيد ليست صحية في اغلبها، بل اجتماعية، لذا تطالب الدكتورة بشرى بتوفير معاهد ومدارس متخصصة لمرضى التوحد. 

علم الاجتماع

يؤكد استاذ علم الاجتماع منذر التميمي، ان اغلب الوزارات لا تولي أهمية للإحصائيات، والتي تكاد تكون معدومة في الدوائر ذات العلاقة بمرضى التوحد، ذلك لان اية احصائيات نطلبها لا نجدها، ليس لمرضى التوحد فقط، بل كل الاحصائيات، وهذا يدل على ان الادارات جاهلة بأهمية الاحصائيات التي تؤشر انخفاض او زيادة اي مؤشر يهم حياة المجتمع.

 وعن مشاعر المريض وحياته الاجتماعية يشير الدكتور التميمي الى أنه من الصعوبة ادماج المريض مع مجتمعه، ذلك لأنه بطبيعته انعزالي ويحب الوحدة، الا ان الدور الاكبر ينصب على جهود اسرته في اشراكه في الحياة الاجتماعية، وعدم عده فردا غير سوي، او ربما يشعرونه انه اصبح عالة عليهم، مما يزيد من سوء  حالته النفسية ، وهنا تجدر الاشارة الى ان دور الام في حياة الطفل اهم من ادوار بقية افراد الاسرة، وهي وحدها القادرة على عدم شعوره بالوحدة او الاغتراب عن مجتمعه ، وهناك حالات الى جانب العقاقير المهدئة استطاعت فيها الام تحسين حالة المريض النفسية.

الا ان ربع هؤلاء الاطفال يكون معدل الذكاء  لديهم اكثر من المعدل الطبيعي، اي ان درجة ذكائهم تكون عالية! ومن الغريب ان نسبة 10% من هؤلاء الاطفال يكونون اذكياء في مادة الرياضيات! كما ان هناك علاقة طردية بين اعراض المرض ومعدل الذكاء، أي ان المرضى الذين يعانون من اعراض شديدة يكون معدل الذكاء لديهم اقل. وكلما كان معدل الذكاء لدى الطفل منخفضا نحتاج الى خبرة أعلى لتشخيص هذا المرض . 

علم النفس

اختصاصي علم النفس الدكتور حميد الابراهيمي، أكد في لقائنا به تزايد أعداد المصابين بمرض التوحد في العراق خاصة بعد عام 2003. وعزا سبب انتشاره الى عوامل عدة، أولها التلوث البيئي الناتج عن مخلفات الحروب وكثرة الانفجارات، فضلا عن أسباب اخرى منها نفسية ووراثية كالزواج المبكر، وزواج الأقارب، وتناول حبوب منع الحمل، وبعض الادوية التي تتناولها المرأة خلال فترة الحمل.

واضاف الابراهيمي  أن الإصابة بالتوحد لدى الأطفال تبدأ بين عمر ستة أشهر الى ثلاث سنوات ونصف السنة، ونصح بضرورة التشخيص المبكر خلال هذه الفترة، لكي لا يتطور المرض ويصل الى مراحل متقدمة لا يمكن علاجها، خاصة وأن أغلب حالات التوحد لدى الأطفال يتم اكتشافها متأخرا.

 وعادة ما يتم الاكتشاف من قبل أطباء الأطفال من دون أن يكون في مقدورهم تقديم العلاج المناسب.

يقول الابراهيمي  إنه لا توجد مختبرات طبية لتشخيص حالات التوحد, ويعتمد التشخيص الدقيق الوحيد على الملاحظة المباشرة لسلوك الطفل وعلاقاته بالآخرين ومعدلات نموه، موضحا أن اعراض المرض هي اضطراب في السلوك وعدم التواصل مع الآخرين ومشكلات في السمع والبصر وصعوبة في التنفس. 

ويشير الى ان مرض التوحد لا يمكن معالجته، وانما يمكن وضع حد له؛ عن طريق اتباع  مجموعة من الحلول توصل لها المختصون مؤخرا، وهى حلول فعالة في علاج الأعراض والسلوك، التي تمنع من ممارسة المرضى لحياتهم بشكل طبيعى، اهمها العلاج النفسى من خلال استعمال برامج تعديل السلوك والتي لا يمكن للطبيب القيام بها لوحده، وانما يتطلب الامر ان يكون لأسرة المريض دور كبير فيها فضلا عن العلاج بالأدوية واتباع حمية غذائية خاصة.

وأشار الابراهيمي أيضا، الى ان اعداداً كبيرة من الاطفال العراقيين يتلقون العلاج حاليا، في المراكز الطبية المتخصصة في الأردن، نظراً لغياب مثل هذه المراكز في العراق.

وتفيد دراسة أجرتها جامعة كامبريدج عن مرضى التوحد في العراق بأنه انتشر بنسبة كبيرة مقارنة بالسنوات التي سبقت عام 2003، إذ  وصل عدد الحالات إلى 75 حالة في كل عشرة آلاف شخص من الأعمار ما بين ثلاثة أعوام وأحد عشر عاما.

الصباح الجديد

التصنيفات : ارشيف الاخبار
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان