النجف نيوز – خبراء: قانون البنى التحتية لا يحتمل التأخير لكلفته الاقتصادية وآثاره على التنمية

يناير 30, 2013
22

في ندوة شخصت مزاياه وعيوبه بصورة دقيقة

استاثر قانون البنى التحتية باهتمام خبراء الاقتصاد واصحاب الشأن من برلمانيين وحكوميين ماحدا بالمعهد العراقي للاصلاح الاقتصادي الى عقد ندوة تمت خلالها مناقشة مسودة القانون، لما له من اهمية في عملية الاسراع ببرامج التنمية الاقتصادية المنشودة.


وقد ارتكزت الندوة على دراسة اعدها الخبير الاقتصادي الدكتور كمال البصري، حدد خلالها مزايا قانون البنى التحتية، وركز على ضرورة اعتماد مبدأ مشاركة القطاع الخاص للعام، ودعت الدراسة الى تأسيس هيئة او مجلس اعمار لادارة المشاريع المشمولة بالقانون، وهو ما اثار ردود فعل تطابقت في العديد من الاحيان، بيد ان الحاضرين في الندوة شددوا على ضروة اغناء القانون بالملاحظات التي شخصها الخبراء والمعنيون والتي يتعلق اغلبها بتوفير ضمانات انجاز من كلا الطرفين، الحكومة والشركات المتعاقد معها.
واكدت دراسة البصري أهمية هذا القانون في اشباع احتياجات المواطنين المختلفة وتطوير واقع القطاع الخاص والعام على حد سواء، وتوفيرفرص عمل وتشغيل لشريحة واسعة من المواطنين، وتخليص الحكومة من مشكلة انها  المصدر الكبير في ايجاد فرص العمل.
ويرى البصري ان تأخر تشريع  القانون يؤدي الى تأخر ردم الفجوة الحضارية بين العراق والدول الاخرى (بما فيها دول الجوار). كما سيؤدي تخلف البنى التحتية الى استمرار ضعف البيئة المادية للاستثمار، اذ ان من متطلبات الاستثمار وجود بنى تحتية (خادمة) كالموانئ والجسور التي من شأنها خفض تكاليف الانتاج ومن ثم رفع القدرة التنافسية الاقتصادية للعراق.  وان جميع ماتقدم يسهم في حرمان المواطن من فرص عمل مناسبة وابقاء الحكومة هي المصدر الوحيد لتوفير فرص العمل (وقد بلغ الامر اقصاه في الوقت الحالي).
ولفت البصري الى انه في حالة عدم اقرار القانون سوف يكون من المتعذر القيام بالمشاريع الحيوية المطلوبة على المدى القريب،  كما من المتوقع ان تنخفض اسعار النفط في الاعوام القليلة المقبلة ولغاية 2016 بسبب العرض الفائض (كما تشير الى ذلك الدوائر النفطية العالمية ذات الاختصاص).
وخلص البصري خلال دراسته الى ان القانون جاء بمزايا عديدة تهدف الى تنفيذ المشاريع الستراتيجية والخدمية بشكل تكاملي واعادة اعمار المنشآت والبنى التحتية للمشاريع الحيوية التي لها اثر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، كما تنفذ المشاريع المشمولة بهذا القانون بطريقة الدفع بالاجل مع مراعات حجم الايرادات السنوية للخزينة، ولا تزيد مبالغ العقود المشمولة بهذا القانون عن 37 مليار دولار، فضلا عن الزام الشركات المنفذة للمشاريع بتشغيل الايدي العاملة العراقية في المشاريع بنسبة محددة وحسب طبيعة المشروع.
وألمح الخبير الى انه وللمرة الثانية يتم التعاطي داخل اروقة البرلمان بشكل سياسي مع مسودة القانون، اذ يعتبر البعض ان اقراره هو دعم سياسي لفئة سياسية على حساب فئة سياسية اخرى، متناسين ان الكيانات السياسية باجمعها تؤلف الحكومة والبرلمان.
 ويرى ان مسودة القانون لا تمثل رغبة دولة رئيس الوزراء وحده، بل تمثل وجهات نظر اغلبية الوزراء ان لم يكن جميعهم و ان موافقة البرلمان على القانون هي انجاز للعملية السياسية  وانجاز للعراق بكل اطيافه، مؤكدا انه في حال اقرار القانون لا تستطيع اي فئة سياسية ان تجيره لذاتها. فاذا تم تشييد ميناء الفاو الكبير مثلا وفق هذ القانون، لا يمكن اعتبار هذا انجازا لجهة سياسية معينة «العراقية» او «دولة القانون» او «التحالف الكردستاني»، الامر الذي دفع البصري الى القول جازما: ان عدم اقرار القانون هو تعبير صريح عن فشل العملية السياسية في رفع المعاناة عن المواطن ورفع مستوى معيشته.
ولم يكتف البصري بعرضه المزايا الايجابية للقانون حينما ذهب الى تشخيص بعض نقاط الضعف حين قال: ان كتابة مسودة القانون تمثل النمط السائد في الدوائر الحكومية وهو يفتقد للجانب الفني، مبررا ذلك بان: بناء البنى التحتية في العراق الجديد يجب الا يكون عشوائيا بمعنى عدم ارتباط مشاريع الاعمار بخطة متكاملة احدها يكمل الثاني (مثلا تشييد ميناء الفاو الكبير دون مراعاة للمشاريع التكميلية المتعلقة بالطرق والسكك الحديدية او تشييد منطقة سكنية دون الالتفات الى المشاريع الخدمية المتصلة بها … الخ)، وتساءل البصري: هل ان مسودة القانون قد كتبت وفق خطة محددة، و اذا ما كانت خطة وزارة التخطيط لعام 2010- 2014هي المعتمدة فهي ليست بالمستوى المطلوب وقد قاد هذا الامر وزارة التخطيط لاعداد خطة جديدة(خطة التنمية الوطنية 2013-2017)والتي لم تقر حتى الان.
الامر الاخر الذي شخصه البصري يتعلق بتحديد مبلغ 37 مليار دولار، متسائلا اذا ما كانت هذه المبالغ تمثل تكاليف اعادة الاعمار، وفي الوقت الذي تصعب الاجابة على ذلك التساؤل يذكر البصري: ان هذا تخصيص قليل لما تتطلبه التكاليف الاجمالية، ووفقا لتقديرات وزارة التخطيط عام  2006 فان اعمار وتطوير القطاع النفطي يتطلب 36 والنقل 30 والاسكان 52 مليار دولار .. الخ ، ويين البصري ضرورة ان ينص القانون على مراحل الاقتراض والمدة الزمنية له وايضا ان يرفق مع القانون ابواب الصرف حسب القطاعات.
وقال البصري ايضا: نحن نعلم جميعا ان الوزارات الحالية منهكة تماما وعاجزة عن تنفيذ المشاريع الاستثمارية للموازنات الاتحادية اذ لم تتجاوز نسب التنفيذ المالي للوزارات هذا العام 51 بالمئة ناهيك عن التنفيذ الحقيقي كما ونوعا.
مؤكدا ان تبعات هذا القانون بحق ستكون عبئا ثقيلا اضافيا على الوزارات او الجهات الفنية المكلفة بادارة متطلبات هذا القانون. اذ ان ملاكات الوزارات بالوقت الحاضر لا تمتلك المهارات المتقدمة (بشكل كاف) الامر الذي يقود الى ضعف الاداء كما ونوعا. كما ان من تبعات هذا القانون التعامل مع المؤسسات المالية العالمية ومع اجهزة فنية متقدمة، وبسب شحة الكفاءات بالوقت الحالي كان الاجدر ان يتضمن القانون نصا صريحا بالعمل على تشكيل هيئة او مجلس للاعمار بحسب البصري الذي شدد على ضرورة ان يتم تشكيله بعيدا عن نمط تشكيل الوزارات او الوظائف العامة(المحاصصة)، مشددا على ان هذه الهيئة تتطلب استقطاب افضل الكفاءات العراقية وتخصيصات مجزية. ان غياب هذه الهيئة يبقي الباب مفتوحا للتفاوض مع الشركات والمؤسسات العالمية بشكل غير متكافئ.  ان الحالة المشخصة في مثل هذه الاعمال هي غياب المفاوض الذي يجيد لغة التفاوض الفنية والاقتصادية، وماكان للعراق ان ينجز مثلا معالجة الديون الخارجية لو لم يستأجر مكاتب تخصصية اجنبية وبدعم من الدول الصديقة.  واضاف: نحن نعلم جميعا ان مشكلة الاعمار في العراق لاتتوقف على توفر التخصيصات المالية، بل على ادارة المال والمشاريع.ونبهت الدراسة الى حقيقة مفادها ان طبيعة العقود لها تاثير في محصلة المشروع، حيث تتجه معظم دول العالم ان لم يكن جميعها الى “عقود مشاركة القطاع الخاص للعام” وهي عقود بموجبها تمنح الحكومة الشركات المتخصصة امتيازاً في تشييد مشروع (مثلا مستشفى) وفق معايير فنية و فترة زمنية محددة على ان تقوم الحكومة بعد انتهاء التنفيذ واستلام المشروع بالدفع وفق صيغة الدفع بالاجل.  لافتا الى ان هذا النوع من العقود له صيغ قانونية محددة في غيابها يستحيل العمل بها.  وهذه الصيغ حاليا غير متوفرة للتعاطي بها الى حد يمكن القول انها لاتحظى بالاولوية، وهي في الحقيقة وسيلة حاسمة في تجاوز الفساد السائد. وفي واقع الحال نجد ان دولاً غنية مثل السعودية والامارات تستخدم مثل هذه العقود لما لها من منافع تتمثل بنقل التكنولوجيا و الممارسات الادارية الحديثة.
وخلصت الدراسة الى التأكيد على ان من المناسب ان تخصص فقرات في القانون للحد من الفساد الملازم للعقود، كما وردت في مسودة قانون النفط والغاز حيث نصت المسودة على اعتبار العقود باطلة في حال اكتشاف فساد فيها،وكذلك اعطاء اولوية توزيع المشاريع حسب الجدوى الاقتصادية للمشاريع قبل اعتماد التوزيع حسب النسب السكانية (مثلا الموانئ والمطارات ومعامل الحديد والصلب ومستشفى تخصصي عالي المستوى).
وتطرق البصري الى ان القانون تضمن العديد من الاسباب الموجبة لاقراره، ملمحا الى ان اقراره في الوقت الحاضر بات ضرورة متناهية الاهمية ويجب ان يتم وضع سقف زمني لايتجاوز هذا العام لاقراره، اذ ان عدم اقراره يشكل كلفة انسانية واقتصادية لايستهان بها وعيبا كبيرا في العملية السياسية.
موضحا الى ان من ضمن تلك الاسباب الموجبة لاقرار القانون هي شحة تخصيصات الموازنة للايفاء بمستلزمات الاعمار وتوفير الخدمات الاساسية من خارج تخصيصات الموازنة: (تم تقدير تكاليف اعادة الاعمار بعد 2003 ب 187 مليار دولار للفترة 2007-2010 وفقا لتقديرات الاحتياجات الأساسية للقطاعات الاقتصادية المختلفة والتي تمثل الحدود الدنيا للاستثمار المطلوب لاعادة الاعمار وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين،) وقد اشار تقرير وزارة التخطيط الصادر في 2006 « الى ستراتيجية التنمية الاقتصادية» ان االموازنة لا تستطيع الايفاء باكثر من 43 بالمئة من هذه النفقات وعلى ان يتم توفير المتبقي 57 بالمئة من خلال القروض والاستثمار.
كما ان البيئة الاستثمارية في العراق متخلفة الى حد تم تصنيفها من قبل البنك الدولي لتحتل مرتبة 164 من 183 دولة (في حين ان مرتبة سنغافورة 1 ، السعودية 12 ، الاردن 96) ان هذا التخلف يفسر ضعف الاستثمارات الاجنبية في العراق وعدم رغبة الشركات الرصينة بالتعاقد مع الدوائر الحكومية المختلفة ناهيك عن ان اجور العمل في العراق ليست تنافسية وان قوانين العمل العراقية تضيق الخناق على العمالة الاجنبية . اما في ما يخص الاقتراض الداخلي صحيح ان هنالك رصيداً مالياً عند المؤسسات المالية المختلفة قد يصل الى 50 مليار دولار ولكن في الحقيقة ان اغلب هذه الودائع هي ودائع حكومية مخصصة لابواب صرف الموازنة العامة ويجب ان تكون جاهزة حين الطلب ولا يجوز الاقتراض منها بحسب البصري الذي اكد ان اقرار هذا القانون سيعمل على تسهيل نقل التكنولوجيا الحديثة الى البلد ورفع اداء ونطاق القطاع الخاص المحلي (في حالة اعتماد تؤمة عمل القطاع الخاص مع الشركات الاجنبية) وتوفير فرص عمل اضافية. ان لهذا القانون ثماراً كبيرة تتعدى الخدمات المباشرة للمواطنين لتشمل تحريك وتحفيز كافة قطاعات الاقتصاد بما يضمن خلق فرص العمالة الكاملة، وتقليص دور الحكومة في ضرورة ايجاد فرص عمل اضافية.ودعا البصري خلال دراسته الى تجاوز تلكؤ القطاعين الخاص والعام في تنفيذ المشاريع والتي تمت الاشارة اليها في دراسات سابقة ، فقد حققت النفقات الاستثمارية نسب تنفيذ ضعيفة وخصوصا على صعيد المحافظات، اما على صعيد اجمالي النفقات الاستثمارية فقد كان متوسط نسب التنفيذ للفترة من 2004 لغاية 2008 ما مقداره 52.45 بالمئة.نعتقد ان ما واجهته الوزارات والمحافظات من مشكلات فنية وقانونية وادارية سوف تستمر قائمة والذي نخشاه ان تتعاظم المشكلة (ضعف الاداء) في تنفيذ المشاريع الاستثمارية بسبب زيادة التخصيصات الاستثمارية في السنوات القائمة. وقد ادى التوسع في عدد المشاريع بشك يفوق الامكانيات التنفيذية  الى بطء في تقدم العمل.

آراء ومداخلات

واثارت الدراسة العديد من الآراء والتساؤلات بشأن اهمية القانون وضرورة الاخذ بنظر الاعتبار تعديل بعض فقرات القانون على وفق ما جاء بمقترحات الحاضرين في الندوة، فقد اشار وكيل الامين العام لمجلس الوزراء للشؤون المالية والادارية الدكتور عبيد محل الى ان المشكلة ليست مادية بل تتعلق بادارة الاموال، مؤكدا ضرورة معرفة كيفية العمل بآليات القانون الذي شدد على أهمية ان تكون قضية الدفع بالآجل للمشاريع الستراتيجية وليس المشاريع التي يمكن ان تنفذ بوقت واموال اقل، داعيا الى وضع ضوابط للقانون بهدف الوصول الى افضل الحلول، لاسيما وان للعراق تجارب سابقة في ذلك.
فيما انتقد النائب حسن السنيد خلال مداخلته جميع القوانين التي وصلت قبة البرلمان، موضحا بأن العديد منها بحاجة الى اعادة نظر، عازيا ذلك الى ان غالبيتها كانت وليدة المحاصصات والتوافقات السياسية، الامر الذي دفع السنيد الى القول: من الصعب على المواقف السياسية ان تكون مرنة.
وطرح السنيد جملة من التساؤلات واكد اهمية ايجاد اجابات واضحة لها، لاسيما في ما يتعلق بالجهات الحكومية التي ستتعاقد مع الشركات، ومن هي الجهات المراقبة، والجهة الضامنة لتنفيذ المشاريع؟ وقال ايضا: ماهو المنهج الاقتصادي للحكومات المقبلة، وهل سيبقى هو ذات المنهج الحالي ام انه سيتغير؟

الدفع بالآجل..والسيولة المطلوبة

ولم يبتعد كثيرا المستشار الاقتصادي في مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الدكتور يعقوب شونيا عن الآراء التي ذهبت الى أهمية اقرار القانون حينما اكد ان حاجة العراق الى مشاريع البنى التحتية تتطلب اضعاف المبالغ التي خصصها القانون، داعيا الى ضرورة ايضاح ماهية المشاريع التي ينوي القانون تنفيذها.
وقال شونيا خلال مداخلته: ان اسلوب الدفع بالاجل هو احد الاساليب التي تلجأ اليها الدول حين تعدم توفر السيولة الكاملة لديها لتغطية برامجها التنموية، مقترحا اسلوبا اطلق عليه (b o t) الذي يعني بناء، ثم تشغيل، وتحويل الملكية الى الدولة.
وعبر الاتصال المرئي والمسموع عبر الانترنت ابدى الخبير الاقتصادي الدكتور بارق شبر رأيه من المانيا بالقول: ان للقانون جانبين مهمين هما التمويل والادارة، غير انه اشار الى ان التحفظات تتحدد بتمويل المشاريع الستراتيجية، متسائلا عن دور وزارة التخطيط في انجاز هذا القانون.
وشاركه هذا الرأي الخبير الاقتصادي الدكتور مظهر محمد صالح، حينا ذكر ان هذا المشروع مهم للعراق شريطة خلوه من الفساد، مبديا استغرابه من احتياج العراق للاقتراض نتيجة الدفع بالآجل، محذرا من وجود مشكلة لدى البلد في البند السابع ، معربا عن تفاؤله في جذب مزيد من الاستثمارات للعراق مستقبلا.

التصنيفات : ارشيف الاخبار
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان