السيد السيستاني والدستور؛ رفع الشُبُهات

مايو 21, 2023
83

النجف نيوز/ كتب – الدكتور شامل هادي مباركه

كُتِب الدستور في ظروفٍ كانت المرجعية العليا في النجف، آية الله العظمى السيد علي السيستاني، في مواجهة محتدمة مع سلطة الائتلاف الحاكم في العراق.

كان السيستاني يخشى على الدستور الذي سيحكم العراق، مستذكراً دستور اليابان الذي كتب مسودته الحاكم العسكري الامريكي، دوغلاس ماكارثر، و آلية كتابة أول دستور عراقي.

كُتِبت مسودة أول دستور عراقي في دار الاعتماد البريطاني في بغداد بعد الحرب العالمية الاولى، ثم أُرسِل الى وزارة المستعمرات في لندن لاجراء تعديلات والمصادقة عليه. فطُرِح على المجلس التأسيسي العراقي ليُصوت عليه في نسيان ١٩٢٤.

من هنا، كان السيستاني حريص لان يُكتب الدستور بأنامل عراقية. بعد أول انتخابات عراقية في كانون الثاني ٢٠٠٥، دفع السيستاني السياسيين لكتابة دستور دائم للعراق، في ظل المخاوف من فرض الحاكم المدني، پول بريمر، تبني الدستور المؤقت ليكون هو الدستور الدائمي.

قرر مجلس الأمن تسليم السيادة للعراقيين بقراره المرقم ١٥٤٦، فبعث السيستاني الى مجلس الأمن رسالة واضحة يطلب “بعدم ذكر قانون الادارة المؤقت في قرار الامم المتحدة، لانه كُتِبَ تحت تأثير الاحتلال، وانه لا يتفق مع القانون، ويرفضه أغلبية الشعب العراقي”. (راجع رسالة السيستاني A Waning to Refrain from Referring to the Law of Administration for the Security Council Resolution 1546، بتاريخ ١٨ آذار ٢٠٠٤).

نجح السيستاني في فرض رؤيته على الحاكم المدني بعدم تبني الدستور المؤقت، لكن …

يقول الحاكم المدني في مذكراته (عام قضيته بالعراق): “ان هذا الطلب سيسبب مشاكل. سحبني احد زملاء البرزاني جانبا ليلبغني برسالة مستعجلة من الاخير تعبر عن استيائه من خلو مسودة قرار الامم المتحدة الحالية من اية اشارة الى قانون الحكم المؤقت”.

يسترسل الحاكم المدني: “وفي المساء نفسه بعث الي السيستاني برسالة جديدة تقول انه سيتعين عليه ان يصدر بيانا “تهديداً” آخر ان تضمن قرار الامم المتحدة اشارة الى قانون الحكم المؤقت، فاتصلت بالمستشار الامريكي ستيف هادلي مقترحا ان يؤيد الرئيس بوش هذا القانون في خطابه الاذاعي الاسبوعي، واشرت الى ان قرار الامم المتحدة يؤيد فكرة الفيدرالية التي يتوق اليها الاكراد، وكذلك موعد انتخابات كانون الثاني ٢٠٠٥، وذلك كطريقة لرتق الفتق بين مطالب السيستاني والاكراد”.

نفهم مما جاء أعلاه بأن السيستاني كان يطلب اجراء انتخابات برلمانية ليتمكن العراق من كتابة دستور دائم، في الوقت الذي يُصر الاكراد على تبني قانون الفيدرالية المنصوص في قانون الادارة المؤقت، فطلب الحاكم المدني من بوش تضمين الامرين في لقاءه الاسبوعي.

كان هناك اصرار من اكراد العراق على تضمين بعض فقرات قانون الادارة المؤقت في الدستور الدائم بوصف العراق دولة فيدرالية، والتي منحت سلطة اكبر لكردستان العراق، مما اضافوا، بتواطئ من آخرين، وبعض آخر فاقد لأبجديات كتابة دستور، بنداً من قانون الادارة الانتقالية التي يسمح بموجبه لاي ثلاث محافظات بالتصويت لنقض أي فقرة بالدستور الدائم، والذي سيُدخِل العراق في نفق مستقبلي مظلم.

تقول الاستاذة كارولين مرجي في كتابها “المرجعية الدينية، الموقف الوطني في العراق ما بعد صدام”، (Patriotic Ayatollah nationalism in post Saddam iraq): “حصلت تهديدات كبيرة بعد انتخابات ٢٠٠٥. استغل الاكراد الظروف المتوترة لفرض إملاءاتهم، وجعلوا السيد محمد باقر الحكيم لأن يوافق على جعل ثلاث محافظات في تشكيل فيدرالية في الدستور الدائم، إذ اعترفت المادة ١١٧ من الدستور بان دهوك واربيل والسليمانية قانونية الاقليم، واستقلاله عن المركز في تشكيل حكومة وبرلمان وقوات مسلحة وغيرها من المنافع الكبيرة لاقليم كردستان”.سكنه

وهذا ما دفع مسعود برزاني لان يقول “ان الدستور جعل الكورد يشعرون بالمساواة مع الاخرين وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية”. (راجع مقال نيويورك تايمز iraq council with reluctant Shiites signs charter، في ٤ آذار ٢٠٠٤).

لا نعلم كيف يشعر الاكراد أنهم من الدرجة الثانية في ظل حكم العراق الجديد، فيعتبر التصويت على فقرة الفيدرالية انتصاراً للقومية الكردية، وكأنما ليسوا عراقيين !!!

أدرك السيستاني ان اللاعبين الرئيسين يمكنهم توظيف النتائج السياسية لصالح احزابهم بغض النظر عن ارادة الشعب العراقي.

أطمئن السيستاني من خلو الدستور الدائم التوزيع الصريح للمناصب الحكومية على قاعدة الانتماء الطائفي المنصوص في قانون الادارة الانتقالية، لكنه أُصيب بخيبة أمل وهو يرى تضمين بعض فقرات الدستور المؤقت في الدستور الدائم.

لم يحدد الدستور الدائم أن يكون منصب رئيس الجمهورية للاكراد او رئاسة النواب للسنة وكذلك رئاسة الوزراء للشيعة. الذي جعل ذلك هو السياسيون اللذين تقاسموا السلطة، و وزعوا المناصب على انفسهم بالكيفية المعمول بها منذ ما يقارب العقدين، فتحول الى عرفٍ سياسي.

بل ذهب السياسيون لابعد من ذلك، استبدلوا منصب رئاسة الوزراء برئاسة مجلس وزراء.

رؤية السيستاني في الرئاسة الجماعية كارثة ستحل على العراق، و ليست على الشعب وحده، فاذا لم يوافق الاعضاء بالاجماع لن يتمكن المجلس الرئاسي من اتخاذ قرارات، وسيُدخِل العراق في جمود سياسي وتدخّل اقليمي ودولي في سيادته.

عندما طلب السيستاني أن يكون الاسلام دين الدولة الرسمي في الدستور، و مصدرٌ أساس في التشريع، (راجع المادة ٢ من الدستور العراق)، شعر بعض المهتمين بالشأن العراقي بالقلق، فبدد السيستاني هذا القلق، من خلال فهم رؤيته بالجمع بين الارتباط بالاسلام والفكر الديمقراطي. (راجع مقال نيويورك تايمز “العالم؛ شيعة العراق يصرون على الديمقراطية، The World; Iraq’s Shiites Insist on Democracy، بتاريخ ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٠٣).

مع ذلك، كان البيت الابيض يُخطط لمواجهة رؤية السيستاني في الدستور مستعملاً الاكراد، حيث يمكن للاكراد استعمال الفيتو في النظام الاسلامي فيما لو ذهب السيستاني لتبني حكومة “ثيوقراطية شيعية” على غرار الجمهورية الاسلامية في ايران.

يطرح البروفيسور مارك يورجنسماير، استاذ في جامعة كاليفورنيا – قسم الدراسات الدولية ومقارنة الاديان، رؤيته في إمكانية جعل الدين القاعدة في الهوية الوطنية، وان يكون الدين أيديولوجية شرعية في بناء الدولة.

يقول في احد بحوثه: “في دراستي للحركات القومية الدينية حول العالم، نرى الأشخاص الذين لا يبدو أنهم متدينون تمامًا، لكنهم يدافعون عن الإسلام، أو يدافعون عن المسيحية، أو يدافعون عن البوذية. وهذه علامة على أن الدين جزء من الهوية، وجزء من الهوية الاجتماعية. وأعتقد أن هذا هو في المقام الأول سمة من سمات القومية الدينية حول العالم اليوم”. (راجع رأيه في “القومية الدينية حول العالم”، Religious Nationalism Around the World، في ١٩ آيار ٢٠٢١).

فلو قارنا متبنى مارك مع ما يراه السيستاني، نجد هناك تشابه في المضمون، فيمكن مزاوجة الدين بالهوية الوطنية لتعزيز قيم الديمقراطية و دولة المواطنة التي يدعو لها السيستاني.

رغم تضمين الاسلام دين الدولة الرسمية، بسبب بعض فقرات الدستور الدائم، سيبقى الاستقرار قنبلة موقوته، ينفجر كلما ظهرت أزمة سياسية تعصف بالبلد.

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان