السيستاني(دام ظله) و دولة المواطنة

أبريل 21, 2023
66

النجف نيوز/ كتب _ الدكتور شامل محسن هادي مباركه

بعد أن فُرِض التحول السياسي على المرجع الأعلى، السيستاني دام ظله، أُثيرت في واشنطن العاصمة عدة أسئلة؛ هل العراق سيختار ديمقراطية ثيوقراطية تنصب العداء لامريكا كالجمهورية الاسلامية في ايران؟ وهل دستورهم سيحمي الاقليات، ويُسهم في بناء الدولة؟ وهل سيتبنى نظامُ الحكمِ ديمقراطية ليبرالية أم ديمقراطية جيفرسونية؟ وغيرها من الاسئلة المقلقة للبيت الابيض.

في المقابل، كان السيستاني أكثر وضوحاً في التغيير السياسي الذي طرأ على العراق، وهو يوجّه العملية السياسية نحو الطريق الصحيح. فقد صرّح غير مرة بدءً من آذار ٢٠٠٣، بانه لا يمثل الشيعة فحسب، بل جميع العراقيين، في سياق دأبه للترويج لديمقراطية تتمحور حول اولوية العراق ودولة المواطنة.

انشأ الحاكم المدني، پول بريمر، مجلسَ الحكم على قاعدة ان كل الطوائف يجب ان تشارك في تمثيل نسبي لها في الحكم، فتم تخصيص مقاعد على أسس طائفية، مما جعل قواعد الديمقراطية “الليبرالية” مستندة على قاعدةٍ طائفيةٍ. ونتج منه توزيع المناصب الحكومية على الطائفية والاثنية والعرقية. (راجع مقال واشنطن بوست Appointed Iraqi Council Assumes Limited Role، بتاريخ ١٤ تموز ٢٠٠٣)

مهندسو مشروع الدولة الجديدة، وصنّاع السياسة الامريكية، والعراقيين المغتربين اللذين التحقوا بالعملية السياسية، كانوا يسوّقون للطائفية، و صوروا العراق على انه بلدٌ طائفيٌ.

بعد أن تبنى الحاكم المدني الطائفية، وعمل بها السياسيون، لم يكن للسيستاني من خيار سوى الانقضاض عليها وهي في مهدها. عندما كان يخاطب السياسيين، كان يخاطبهم باسم الشعب. حاول ترسيخ مفهوم الدولة بالمبدأ والممارسة الديمقراطية السليمة.

ولتأكيد ذلك، كان يتكلم السيستاني بلسان حال الشعب العراقي الذي هو مصدر السلطات الثلاثة في شهادة تأريخية يُحلِّق في سماء دولة المواطنة، حيث قال: “ومن المؤكد أن العراقيين جميعاً سُنّة وشيعة وغيرهم حريصون على وحدة بلدهم، والدفاع عن ثوابته الدينية والوطنية. كما أنهم متفقون على ضرورة التأسيس لنظامٍ جديد يُقر مبدأ العدالة والمساواة بين جميع أبناء هذا البلد في مبدأ التعددية واحترام الرأي الاخر”. (راجع النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية صفحة ٨٣، في حديث لشبكة CNN، في ٥ كانون الثاني ٢٠٠٤، حامد الخفاف).

ما بعد ٢٠٠٣، كانت المرجعية تتماشى مع القيادة الروحية من جانب، و ترسيخ دولة المواطنة ودعم العملية الديمقراطية الحديثة العهد من جانب آخر.

في استفتاء وجِّه للسيستاني في ٣ آيار ٢٠٠٣ عن نوع الحكم قال: “شكل الحكم في العراق يحدده الشعب العراقي بجميع قومياته ومذاهبه، وآلية ذلك هي الانتخابات الحرة المباشرة”. (راجع النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية صفحة ٢٦، في حديث لوكالة رويترز في ٢٣ حزيران ٢٠٠٣، حامد الخفاف).

وفي إستفتاء آخر كان السيستاني يتحدث عن تشكيل مجلس تأسيسي لكتابة الدستور ليؤكد حق الشعب في تقريب مصيره حيث قال: “شكل نظام الحكم يحدده الشعب العراقي، وآلية ذلك أن تجري انتخابات عامة لكي يختار كل عراقي من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يُطرح الدستور الذي يُقرّه هذا المجلس على الشعب للتصويت عليه”. (راجع النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية صفحة ١٨ و صفحة ٣٢، في ٢٥ حزيران ٢٠٠٣، في حديث لصحيفة الاسوشيتد برس، حامد الخفاف).

رغم وضوح معاني الالفاظ في بيانات المرجعية، كان السياسيون يتعمدون التلاعب بالالفاظ والتفسيرات، في اوقات الخلافات، ليُفسروا بياناتها على ما مقاساتهم، ويدعموا احزابهم التي تبنّت قواعد الطائفية في الدولة الممزقة عرقياً وأثنياً وطائفياً.

تقول الاستاذة كارولين مرجي صاحبة كتاب المرجعية الدينية، الموقف الوطني في العراق ما بعد صدام (Patriotic Ayatollah nationalism in post Saddam iraq): سُئل السيستاني عما اذا كان يجب ان يكون للشيعة مكانة خاصة في الحكومة، كان موقفه، الذي لا نستطيع النظر اليه سوى ذو بصيرة؛ هو أن “الشيعة يريدون ما يريده جميع العراقيين، هو الحق في تقرير مصيرهم”، وقال ” إن موقفهم ليس خاصاً، ولا يختلف عن بقية الناس”.

الارث الاستبدادي والنظام الشمولي للبعث كان حاضراً في ذهن السيستاني، فكان يخشى من تحوّل النظام الديمقراطي الى دكتاتوري شمولي. عندما سُئل عما اذا كان يريد ان يتعاون الشيعة مع سلطة الإتلاف المؤقتة، قال: “نريد ان يُفسح المجال لتشكيل حكومة منبثقة من ارادة الشعب العراقي، بجميع اطيافه واعراقه.” فكانت فتواه هو عدم تمكين جهة واحدة على حساب الاخرين. (راجع النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية صفحة ١٨، حامد الخفاف)

في كتابه “السيد السيستاني ودوره السياسي في العراق”، يقول الدكتور صلاح عبدالرزاق في صفحة ٤٠: “ينتمي السيد السيستاني الى مدرسة يمكن تسميتها بالليبرالية الدينية التي تنتهج الديمقراطية منهجاً لتحقيق غايات الاسلام واهدافه”. وهذا كان مطابقاً لفتاواه خلال عقدين من الزمن.

تقول كارولين: ” استعمل السيستاني، والذي يمتاز بقوة روحية، قوته السياسية غير الرسمية لصياغة العملية السياسية وتوجيهها صوب الديمقراطية التي ترتكز على اولوية العراق، كان يعمل الى جانب الدولة لضمان ظهور المشروع الوطني خلال السنوات الاولى بعد الغزو”. (راجع كتاب المرجعية الدينية، الموقف الوطني ما بعد صدام).

تنبأ السيستاني بخطورة المنهج و الخطاب الطائفي على مستقبل العراق الحديث في قبال دولة المواطنة، فما كان سبب “أنتشار” داعش الارهابي وسقوط ثلث الاراضي العراقية الا بسبب السياسة الحكومية الاقصائية الطائفية في حينها.

تقول كارولين في كتابها صفحة ٦٢: “توسع تنظيم داعش بسرعة فائقة، ويعود هذا الى امرين؛ اولاً، وجود قيادات بعثية كبيرة في صفوفه، وثانياً، الفساد والقيادة المنحرفة في حكومة المالكي”، فكان الحاجة الى ثورة توازيها بالقوة والفعل المضاد.

تسترسل بالحديث: “نتيجة لتكتيكات السيد المالكي الطائفية، وجد السُنّة ملاذاً مع داعش، للتعبير عن مظلوميتهم.”

حاولت المرجعية غير مرة إرساء دفة الانتماء للوطن في العراق الجديد وتحويله الى دولة المواطنة، بجعل الشعب العراقي من يختار في تقرير مصيره، لكنه اصطدم بعقيدة الاحزاب الطائفية لتأصيل حضورهم الطائفي التي أسس لها الحاكم المدني في ٢٠٠٣.

كان وما زال السيستاني يدعو الى دولة المواطنة، متصالحة مع الاسلام والاديان والطوائف، تضمن حقوق وحريات جميع اطياف الشعب العراقي بلا تمييز، لتنهض دولة السيستاني من ركام الطائفية.

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان