السيد السيستاني في صفحات العراق الحديث

أبريل 6, 2023
97

النجف نيوز/ الدكتور شامل محسن هادي مباركه

كان سقوط النظام الدكتاتوري الدموي في ٢٠٠٣ حدثاً كبيراً على العراق؛ نتج عنه انهيار مؤسسات الدولة وفقدان الامن، والفوضى. وهذا ما كان يُخطِط له الحاكم المدني في العراق، پول پريمر، ليكون مدخلاً لرسم سياسة العراق الجديد، ولتضع الولايات المتحدة يدها في كل مفاصل العملية السياسية المستقبلية للعراق.

أدرك سماحة آية الله العظمى السيستاني، دام ظله العالي، المخطط منذ اول يومٍ من ولادته، فما كان لديه سوى مواجهة هذا المخطط والوقوف مع العملية السياسية لتصحيحها بعد أن فُرِضت عليه.

كان السيستاني يخشى على صياغة الدستور العراقي بايادي امريكية كما حصل لليابان، حيث كتب مسودة الدستور الياباني الحاكمُ العسكري الجنرال الامريكي دوغلاس ماكارثر المتولد في ١٨٨٠ والمتوفي في ١٩٦٤، وبامر من الرئيس الامريكي روزفلت، حتى اصبحت المسودة الدستور الفعلي لليابان.

علِمَ الحاكم المدني بموقف المرجعية العليا؛ حيث قال: “ابلغتُ الجلبي انه ليست للتحالف نية لصياغة الدستور وسأحرص على ان يفهم السيستاني هذا الامر.” (راجع كتاب “عام قضيته بالعراق الحاكم المدني پول پريمر”).

من سيكتب الدستور؟ تعلم المرجعية العليا ان الحاكم المدني يسعى لتشكيل هيئة من قبله لكتابة الدستور. يقول الحاكم المدني: “اصر السيستاني على ضرورة ان يتم انتخاب هيئة دستورية و التي ستتولى صياغة الدستور بشكل مباشر.” وهذا ما دفع سماحته بالوقوف ضد سعي الحاكم المدني، مما أستدعى لأن تكون كتابة الدستور بأنامل عراقية بحتة. (راجع الكتب اعلاه)

شعر الحاكم المدني بسحب البساط من تحت اقدامه، مما دفعه لايجاد بديل عن الخطة ألف الى الخطة باء، فعرض مقترحاً على مجلس الحكم، بتشكيل قوات عسكرية من البلدان المجاورة للعراق لحفظ الامن والسلام. وافق مجلس الحكم بالاجماع خطة پريمر. (راجع الكتاب اعلاه)

لكن المرجعية حاضرةٌ، رفضتها رفضاً قاطعا، طالباً من مجلس الحكم برقابة مشددة على الحدود، وانشاء جهاز مخابرات واستخبارات يديره العراقيون، فقضى المرجع على احلام الحاكم المدني في مهدها. يقول الحاكم المدني في مذكراته: “أبدت واشنطن عدم أرتياحها من موقف النجف الاشرف، لان وزارة الدفاع والخارجية الامريكية هيأت قوات تركية للدخول للعراق.” (راجع الكتاب اعلاه)

لان السيستاني يعتبر قوات التحالف “قوات احتلال”.

بعث المرجع، من خلال قنوات خاصة، رسالة الى الحاكم المدني، يقول پريمر: “لقد ابلَغَنَا السيستاني بعد التحرير مباشرة، ومن خلال قنوات خاصة انه لن يقابل احدا من التحالف. لذلك بعث الحاكم المدني رسالة الى مرجعية النجف يقول فيها: اننا جئنا كقوة تحرير لا قوة احتلال.” (راجع الكتاب اعلاه)

هنا وقعت الصاعقة على الحاكم المدني، في استفتاء وجِّه الى سماحة المرجع السيستاني:

ما هو تعريفكم لقوات التحالف المتواجدة على أرض العراق؟

الجواب: إنها قوات إحتلال كما أقر بذلك مجلس الأمن.

(وثيقة رقم ٢١ جواب رقم ٢، كتاب “النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية” للاستاذ حامد الخفاف.)

مرحلة ما بعد السقوط كانت ثقيلة جداً على مرجعية النجف، حتى دخلت منعطفاً آخراً، وهو الفساد والمحاصصة “التوافقية”، وفقدان الولاء للعراق، وضياع الانتماء للبلد في اروقة الساسة اللذين يسيطرون على مقدراته.

شخّص المرجع الفساد منذ اول حكومة منتخبة، فكانت خطبة الجمعة موجّه الى دولة رئيس مجلس الوزراء، نوري المالكي، بتاريخ ٢٧ نيسان ٢٠٠٦:

“وأوضح سماحته أنّ من المهام الأخرى للحكومة المقبلة التي تحظى بأهمية بالغة مكافحة الفساد الإداري المستشري في معظم مؤسسات الدولة بدرجة تنذر بخطر جسيم، فلا بدّ من وضع آليات عملية للقضاء على هذا الداء العضال وملاحقة المفسدين قضائياً أياً كانوا.”

كلام في غاية الدقة والتشخيص من مرجعية النجف في وصفها للفساد. استمر هذا المنحى حتى عام ٢٠٢٠

في تحذير الحكومات المتعاقبة بان الفساد داءٌ يجب استئصاله.

بعد الظلم والتهميش والتجنيس الذي يعاني منه شيعة البحرين، زرنا مع عضوين من حركة الوفاق البحرينية المرجع السيستاني في ٢٠٠٩. اشتكى الزائران من سياسة الحكومة البحرينية. بعد ان أصغى لهم السيستاني بكل تفاصيل الحديث؛ سألهم: “لماذا ترفعون صور علماء من غير البحرين في قراكم وشوارعكم و مساجدكم؟ عليكم رفع صور علماءكم، “طمأنوا حكومتكم بأن ولاءكم للبحرين”. كان درساً في غاية الروعة بولاء الشعوب لاوطانها.

كانت هذه رسالة السيستاني لسياسي العراق اللذين فقدوا انتماءهم للبلد، وجعلوه كرة تتقاذفه الدول الاقليمية والدولية.

المحطة الاكثر سخونة يواجهها المرجع السيستاني بعد سقوط محافظات عراقية عديدة بيد داعش الارهابي. جاءت فتواه المباركة بالجهاد الكفائي الدفاعي عن ارض العراق وشعبه ومقدساته.

وانا اتابع قناة فوكس نيوز، في لقاء مع سياسين اثنين من احدى المراكز البحثية في واشنطن العاصمة، قال احدهم امريكا احتلت العراق ولم يُصدر السيستاني فتوى الجهاد ضدها، كيف اصدر فتواه ضد داعش و هم مجموعة قليلة؟ يسترسل بالحديث “السيستاني اربك خططنا، فهو يعلم ما نخطط له، كانت اوراقنا مرتبة، اليوم تبعثرت بفتواه”.

هكذا كان يُراد للعراق، بلد يحكمه الارهاب ليتحول الى افغانستان ثانية.

في زيارة بعض من لبى نداء المرجعية بالجهاد لسماحة السيد السيستاني في ٢٠١٥، قال لهم “يجب على العراقيين ان يدافعوا عن ارضهم، ولا تسمحوا للاخرين بالدفاع عنكم، فانتم اولى بارضكم.” رؤيةٌ تنّم عن عمق فكره في جعل الفصائل التي تقاتل داعش عراقية بحتة، لكي لا تجيّر الفتوى للدول الاقليمية.

كانت للسيستاني فتوى وجوب كفائي من نوع آخر.

ونحن مع بعض زملائنا الاطباء المغتربين في زيارة العراق في تشرين ٢٠١٥، زرنا سماحة السيد السيستاني في داره. كنت جالساً على جانبه الايسر، التفت الينا يسألني سؤالين:

١- هل الاطباء من العراق؟ أجبته نعم سيدنا.

٢- هل يعلم الاخوة الاطباء معنى الوجوب العيني والكفائي؟ أجبته، سيدنا أفض علينا.

بعد ان استغرق سماحته في تبيان الواجب العيني والكفائي، سألنا:

هل إكتفى الشعب العراقي بالاطباء؟

كان يقول ضمناً، على الاطباء العراقيين المغتربين واجب عيني بالرجوع للعراق لعلاج مرضى الشعب العراقي، فاذا اكتفى بالاطباء، سيتحول الى واجب كفائي، وبامكانهم العودة الى بلدان الاغتراب.

وأما خطبته في معركة الاصلاح بتاريخ ١٣ كانون الاول ٢٠١٩ فكانت معركة الاصلاح واضحةً:

إنّ أمامكم اليوم معركة مصيرية أخرى، وهي (معركة الإصلاح) والعمل على إنهاء حقبة طويلة من الفساد والفشل في إدارة البلد، وقد سبق أن أكّدت المرجعية الدينية في خطبة النصر قبل عامين (ان هذه المعركة ـ التي تأخرت طويلا ً- لا تقلّ ضراوة عن معركة الارهاب إن لم تكن أشد وأقسى، والعراقيون الشرفاء الذين استبسلوا في معركة الارهاب قادرون ـ بعون الله تعالى ـ على خوض غمار هذه المعركة والانتصار فيها أيضاً إن أحسنوا ادارتها)

صفحات عديدة في تأريخ العراق خطّ سماحة المرجع السيستاني، دام ظله العالي، أحرف من نور لانقاذ العراق من الاحتلال، واصلاح العملية السياسية التي أساء لها السياسيون الفاسدون اللذين أفسدوا الحرث والنسل.

هنيئاً لبلدٍ يعيش بين ثناياه السيستاني …

وهنيئاً لشعب مرجعه السيستاني …

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان