النجف نيوز – النقد الثقافي

أغسطس 15, 2012
18

الشيخ غالب الناصر / مدير مركز الفكر الاسلامي المعاصر

كان الفكر الديني ومعارفه الميتافيزيقية وعبر فترات زمنية ممتدة محوراً لدوران رحى الفلسفة وأبحاثها العقلية في تناول المعرفة الدينية ونصوصها بالدراسة والتمحيص والنقد والتقويم وإخضاعها للمسالة العقلية التي لا تسلّم إلا بالمعرفة الحسية والوقائع التجريبية وقوة العقل في الاستدلال، ولا شك أن هذا النمط من البحث العقلي والصناعة الفكرية كان محصوراً في أطر نخبوية ضيقة ولم يكن يمثل حالة ثقافية عامة كما هو الحال مع النقد الثقافي الذي تخطى الأطر الأكاديمية وتنزل إلى الأوساط الشعبية ، وتجاوز اللغة والخطاب إلى كل ما له دلالة ثقافية ، فأضحت جملة من القضايا الدينية والممارسات العبادية والشعائر والطقوس في مرمى دائرة النقد الثقافي ، وبذلك يكون النقد الثقافي نشاطاً متعدد الأبعاد والمناهج يستطرق مختلف الموضوعات والإشكالات ، وفيه المفيد وغير المفيد ، إلا أنه بشكل عام يحاول إماطة اللثام عن الجوانب غير الرشيدة وغير المحمودة التي علقت بالسلوك الحضاري والتقدمي للإنسان ، سواء ما يتعلق بالرشد الأخلاقي والديني في المعطى التراثي ، أم ما يتعلق بالرشد المهني والتقني والسيطرة على الطبيعة التي آلت إلى تطوير آليات ضبط الإنسان وتطويعه ومصادرة حريته وفردا نيته برسم العقلانية وأداء الواجب الحضاري في المعطى الحداثي. ويبدو أن الثقافة والنقد المرتبط بها يستدعيان الحالة الحضارية المقاربة ، فالثقافة العلمية والتقنية والحسابية تستدعي الرشد الصناعي والزراعي والتجاري، مثلما أن الثقافة السياحية تستدعي تطور عمارة الفنادق والمرافق الحضارية المرتبطة بهذا القطاع، كما أن الثقافة الدينية تستدعي الأخلاق والرشد السلوكي والروحانية الحضارية والتسامح. فمسيرة النقد الثقافي هي قصة الصراع الحضاري من أجل الرشد والعقلانية، سواء الرشد الاجتماعي والأخلاقي أم والرشد المعرفي والمهني، وفي أوربا جرى ترشيد المجتمع والإنسان بخطى واسعة، فقد تم التخلص بسهولة من سلطة النص الديني المحرف وسطوة رجال الدين والممارسات الشعائرية للكنيسة، وذلك بفضل تنامي الحس العلمي وتصاعد الحركة النقدية الفلسفية وكذلك حركة النقد الأدبي الإنساني، في أزمنة النهضة والأنوار والحداثة، التي أماطت اللثام عن حجم التخلف العلمي في الفكر الديني في الغرب وتوجهاته الغرائبية والأسطورية وغير الإنسانية في كثير من الأحيان. وفي الغرب أيضاً تبلور النقد الثقافي لمواجهة عدم الرشد في مزاعم العقلانية، وذلك في مرحلة مبكرة من تطور فكر الحداثة وبروز فلاسفة الاختلاف من أمثال نيتشه وأتباعه ومدرسة فرانكفورت النقدية وروادها، أي في إطار من الصراعات الإيديولوجية، وحركة الطبقات الاجتماعية في سلم التراتيب والمواقع وبروز المصالح المتضاربة، وكذلك في إطار إعادة تشكيل الهوية الثقافة للغرب إزاء الآخر وبناء العقل الادواتي والسعي نحو الهيمنة والضبط من موقع المركزية في هذا العالم وما ترتب على كل هذا من ردود فعل مختلفة. في هذه الحالة الهلامية من الحركة والصيرورة والتحول برز النقد الثقافي ليواجهه حالات الالتفاف على الحرية والفردانية وعدم الرشد في العقلانية، ولكي يوسع من دائرة مفهوم القراءة والفهم للنص أو الخطاب ليشمل إضافة إلى النص مساحة واسعة من التعبير عن الموضوعات الإنسانية المختلفة ومنها الموضوعات الدينية والحياتية وترشيدها من خلال النقد، أي شمول الفعل الدال وكل ما يمكن أن يكون له معنى في الأوساط الشعبية أو الراقية والنخبوية على حدّ سواء. وكان للتطور الإعلامي وأدواته المنبثة في كل الأمكنة والقطاعات التأثير الأكبر على المتلقي وتحريك التوجهات العامة وفي سيادة ما يعرف اليوم بحقل النقد الثقافي الذي يطال بالتحليل كل الخطابات : الفلسفية والعلمية والدينية والأدبية والأخلاقية والجمالية والفنية ، وما يرتبط بها من دوال أخرى عملية و إعلامية. وهكذا أصبح للنقد الثقافي في الغرب مدارس ومراكز أبحاث تعنى بتأصيله وتوظيفه في المجلات المختلفة مثل مدرسة برمنجهام ومركزها الذي تناول بالدراسة والتحليل وسائل الإعلام والثقافة الشعبية والثقافات الدنيا والمسائل الأيديولوجية والأدب وعلم العلامات والمسائل المرتبطة بالجنس والحركات الاجتماعية ومجمل الحياة اليومية. أما في العالم الإسلامي، الذي يتحفز باستمرار بتمظهرات الخطاب الغربي وصراعاته الأيديولوجية من موقع الانبهار والاستهلاك والتمثل النمطي لهذا الفكر عادة ، بدأ يتشكل النقد الثقافي ليتجاوز حدود الخطاب الفلسفي المعقد السائد في العالم الإسلامي والذي فشل في تحقيق النهضة أو جلب التقدم والرقي للمسلمين كما فشل في وقف الاستبداد أن لم يكن هو من كرس ولاية الدكتاتورية الأسرية والطائفية ، والتبعية للغرب في المجلات كافة . وكذلك جاء خطاب النقد الثقافي ليتجاوز حدود الخطاب الأدبي البنيوي باتجاه صناعة خطابية متنوعة الموضوعات والاهتمامات والمناهج والأدوات ، أي كل ما له علاقة بالثقافة من ممارسات حياتية والعاب ترفيهية وشعائر دينية وممارسات عبادية من دون أن يختص باللغة و النصوص فقط. ويبدو أن توريد هذا الخطاب قد تزامن تماماً مع تصاعد الصحوة الإسلامية من جهة ومع تيار العولمة القادم من الغرب في وقت تأكد فشل النخب العلمانية في إدارة الحضارة المنشودة للعالم الإسلامي بشكل لا يقبل الجدل ، الأمر الذي دفع بالإسلامي وأنموذجهم الفكري إلى الصدارة ، فهو يمارس عملية ترشيد مزدوجة لا تختص بفئة دون آخرى. ومع تطور الحياة المعاصرة وتعقدها فان جملة من التحديات باتت تواجهه النخب الفكرية الإسلامية ولاسيما في مجال ثقافة تفريح الحياة وتخفيف اكراهاتها اليومية في عالم يضج بعدم الرشد ، من الحروب والصراعات المختلفة والتطرف الديني والعوز الاقتصادي والكراهية الاثنية والعرقية وتشوق من قبل النخب المولعة بالغرب وتجربته في التحرر من القيود الاجتماعية والأخلاقية الضاغطة ونجاحه في مضمار التقدم التقني ، كل هذه التحديات أخذت طريقها إلى نشاط النقد الثقافي وكان للنقد الثقافي الأثر البارز في تظهير هذه التحديات ووضعها أمام الداعية الإسلامي ، الذي يلقي بدوره اللوم على النخب العلمانية ويتهمها بالفشل في بناء الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية السليمة وأن هذه النخب وبفضل ارتباطها بالغرب هي من قوض مسار التنمية السليم في البلاد الإسلامية وكرس الهيمنة الغربية وعمق من حالات التخلف في ارض المسلمين وأسلم أهلها إلى حالة من اليأس والقنوط وانسداد الآفاق وصولا إلى الانخراط في الحروب الأهلية التي بات يعج بها العالم الإسلامي ، وفيه من يرقص على أشلاء الضحايا في الشوارع والساحات العامة متجرداً من كل رشدٍ أخلاقي أو مهني. رغم كل هذه الفوضى الخلاقة التي تسعى إلى تجاوز البنيوية وأطرها النخبوية والدكتاتورية والأكاديمية الصارمة وحالة الهرج والمرج التي يتم التأسيس لها لتمرير حالة العولمة الشاملة في أزمنة النقد الثقافي والصناعة الإعلامية العاصفة ، فأننا في إطار مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) نتطلع إلى غدٍ أفضل بوجود عالم أكثر سلماً وعدالة ، وذلك لما تتسم به مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) من رؤية راشدة وعقلية اجتهادية قادرة على الجمع بين العام والخاص وبين المطلق والمقيد، وكذلك إنارة المجمل بالمبين ، وتسعى إلى تبديد حالات الشك والظن باليقين العلمي، هذه الرؤية العقلية الراصدة لتقلبات الموضوعات والمفاهيم، وتبدلها في مجمل حركة الصيرورة والتحول في العالم، أنه العقل الإنساني الرشيد والمنفتح على الغيب والوحي القرآني وحالة الانتظار الايجابي للظهور الذي يأتي بالحقيقة الناصعة لكي تنحل حالات العلم الإجمالي والأحكام الظاهرية بسطوع شمس الأمام المنتظر( أرواحنا فداه) ، وذلك هو الدين الجديد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلما وجوراً .

التصنيفات : ارشيف الاخبار
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان