النجف نيوز – السلطة ملك الشعب أم الشعب ملك السلطة

يناير 6, 2012
4

بقلم /نبيل ياسين

 دعوني أتذكر فالذكريات المرة تصبح حلوة إذا لم تكن هناك ذكريات أكثر حلاوة. أتذكر أن جميع مفكري القانون والدستور والدولة الحقيقية قالوا: إن السلطة ملك الشعب. وطوروا الفكرة إلى القول بأن(الشعب مصدر السلطات) وبذلك قطعوا الطريق على السياسيين أن يكونوا لصوصا يسرقون من الشعب سلطته، فكيف إذا سرقوا الشعب نفسه وحولوه إلى ملك صرف اقل ما فيه أن يغلق مسؤول شوارع حي بأكمله ويقطع على الناس طريقهم كي يزف ابنه في شوارع فارغة إلا من سلطته. وعلى ذكر الشوارع وقطعها فقد كنت في عاشوراء عام 2009ضحية قطع الشارع المؤدي إلى البيت الذي اسكن فيه وهو بيت استأجرته في حي الكرادة بمبلغ كبير لان بيتي الذي تركته في بغداد عام 1980 حين اضطررت للهرب لم أتمكن من السكن فيه حين عدت لأنه في منطقة ساخنة في الكرخ رغم أن الجيش العراقي  طرد رجال دولة العراق الإسلامية منه ومن المنطقة التي يقع فيها. كنت عائدا إلى البيت قبيل الغروب في سيارة تاكسي حين رأيت الشارع مغلقا بسيارة شرطة، وحين استفسرت من الضابط الواقف عن السبب قال انهم يطبخون! يطبخون؟ لأول مرة اسمع أن الطبخ يسد الشوارع ويمنع الناس من العودة إلى بيوتهم. ولما سألته لمن يطبخون أبدى الضابط الذي كان واثقا من مهمته استغرابه واستهجانه لسؤال رجل بشعر شبه طويل يرتدي بدلة وسألني: ألا تعرف لمن؟ فقلت له واثقا من نفسي أيضا: لا، لا اعرف لمن. قل لي لمن؟ ساءه أن يكون موضع استفهام لرجل أمي وهجين ولا يفهم مثلي يستقل تاكسيا ويرتدي بدلة بدل أن يكون مسؤولا بحماية وأبهة يستطيع أن يقطع الشارع الذي يسكن فيه ولا يقبل تساؤل احد عن السبب. لكنه اضطر أمام جهلي أن يقول: إنهم يطبخون للحسين. ولما أبديت استغرابي قائلا: أي حسين؟ لم يتمالك الضابط نفسه وشعر أن السلطة كلها معه أمام رجل يتنكر للحسين في يوم عشرة عاشوراء وهذا الرجل بشعر شبه طويل ويرتدي بدلة ويبدو وقد هبط من كوكب آخر ولم يسمع عن الحسين، فصرخ: ألا تعرف الحسين. فأجبت بهدوء: أي حسين منهم، فالحسين الذي اعرفه هو الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قطع جيش يزيد بن معاوية عنه الطريق فاستشهد في مثل هذا اليوم وانتم تقطعون الطريق عن الناس، كما فعل جيش يزيد بالحسين، وأنا سائر في طريق الحسين  وقد كنت مع عائلتي نطبخ  في حي ما يزال غير آمن ولم نقطع الطريق ولم نضطهد أحدا ونمنعه من العودة إلى بيته لكي ينام. فافتح الطريق رجاء لكي أمر.
كان سائق التاكسي صامتا. بعد أن سمح لنا الضابط بالمرور قال السائق فجأة: أنا سني، وهذا الحسين الذي تتكلم عنه هو الحسين الذي نحبه ونحزن لأجله فهو سبط رسول الله ومأساته لايمكن قبولها. قلت له: لماذا تقول لي انك سني؟ أنا لا اهتم بهذه الأمور. فرد انه كان خائفا وأنا أتحدث مع الضابط في منطقة تعتبر ذات أغلبية شيعية وهي شبه آمنة، أما الآن فانه يشعر انه بخير طالما يوجد من يدافعون عن حقيقة الحسين.
سألني سلفي عربي لا يكف عن القول هكذا: يزيد بن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم. وكان يستفز كثيرا من الناس بهذا القول. في نهاية الأمر سألني سؤالا وجيها: مالذي يضمن لنا أن الحسين لو كان حكم أن يحكم بالعدل والدين؟ فقلت له: أبوه. لم يفهم جوابي فقلت له إن أباه حكم أربع سنوات ونصف وكانت كافية لنعرف أن الحسين سيسير سيرة والده في العدل. وسؤالي هو: كيف تحول الحسين من شهيد حرية إلى شعار يتقوى به كثير من المسؤولين على الشعب؟ ومن يملك السلطة؟ الم يأت الحسين إلى الكوفة بناء على ثلاثين ألف طلب من سكان الكوفة؟ لو كان حكم هؤلاء الثلاثين ألفا أكان يقطع عليهم الطرق ويغيب حقوقهم ويستمد سلطته من مصالحه هو لا مصالح المواطنين؟
عندي الكثير لأقوله فانتقل إلى أحداث لندن التي اندلعت الأسبوع الماضي فاشتعلت الحرائق وتكسرت الأبواب والواجهات الزجاجية وأحرقت بعض البيوت ومات بعض الناس ونهبت المحلات والأسواق وحين صارت الساعة العاشرة من مساء يوم الاثنين الماضي اندلعت في الشارع الرئيس المسمى (برودواي) للحي الذي اسكن في ويست ايلينغ في غرب لندن  وكان تعداد شرطة لندن في ذلك اليوم 1400 شرطي فقط وجميع السياسيين بمن فيهم رئيس الوزراء ديفيد كاميرون في عطلة وفي سفر والبرلمان في عطلة، فاتخذ اللصوص و(حواسم لندن) راحتهم وسمعت أنهم يهاجمون البيوت ويحرقون بعضها فكان علي أن أتذكر أنني أجنبي ومن أصول عربية، ولكني لا املك سيارة ليحرقوها بعد أن احرقوا مئات السيارات في الشوارع أمام البيوت، غير أني املك عائلتي وكتبي ومؤلفاتي وكومبيوتري الذي يضم كتبي غير المطبوعة واسكن بيتا بالإيجار وبالتالي لابد أن أكون متيقظا ولكن من يملك اليقظة أمام آلاف الهائجين من سود وبيض وأمام آلاف المحترفين لأعمال اللصوصية والنهب والسلب والحرق والضرب بالسكاكين. واتضح فيما بعد أن الأمر لم يقتصر على هؤلاء، فقد كانت عارضة أزياء شابة سوداء جميلة وفاتنة في الثانية والعشرين من عمرها ضمن اللصوص وقد حكم عليها بعد تصويرها وهي تسرق محل آركوس، كما طردت من منصبها سفيرة اولمبياد لندن لعام 2012التي كانت ضمن المهاجمين للمحلات التجارية ووجدت فتيات رائعات الجمال وأنيقات ضمن اللصوص الأمر الذي لم يفسر بعد رغم انشغال وسائل الإعلام بتحليل الظاهرة .
وكما قلت فان عندي الكثير لأقوله فدعوني أقول لكم أشياء قد تبدو مسلية اليوم، فقد ألح علينا سياسيون حزبيون عراقيون حين كنا في بيروت في أعوام 1980-1982; أن نحمل مسدسات في غمرة حملة الاغتيالات التي بدأتها المخابرات العراقية فاغتالت عددا من الصحفيين والسياسيين ورجال الدين العراقيين. وقد رفضت الفكرة قائلا بما يشبه المفارقة: نحن نحمل أقلاما وأفكارا. ولكن في النهاية كان علينا أن نخضع لما هو واقع فاضطررت أن احمل مسدسا اخترته نمرة 5 وهو بحجم علبة سكائري تقريبا وقد وضعته في جيبي دون أن أحمله على خصري تماهيا مع فكرتي أنني لا استطيع استخدامه أمام قناصين محترفين وليس مهمتي أن أقاتل المخابرات العراقية في شوارع بيروت التي كانت تشبه برج بابل آنذاك في اللغات والجنسيات والأشكال والألوان والأسلحة والايديولوجيات والأحزاب والثوار العالميين والأموال واللحى الثورية والمنظمات المتداخلة والمخترقة. وذات يوم دخلت مبنى إحدى الصحف مع شاعر عراقي آخر وقد سألنا حارس الأمن في الجريدة فيما إذا كنا نحمل سلاحا فنسيت الموضوع حتى قال صاحبي نعم واخرج مسدسا من طراز سميث عيار 13 فاستغربت، وأمام دهشة موظف الأمن الذي يعرف أننا شعراء عراقيون ومعارضون أخذت أجادل صديقي الشاعر محتجا على مسدسه الذي يشبه مسدسات الكابوي وأخرجت المسدس الذي كنت احمله فأطلق موظف الأمن ضحكة عالية وقال وهو يضحك: الآن فهمت لماذا تحتج. هذا مسدس يليق بشاعر. خذه أخي وأعده إلى جيبك فهذا لا يعتبر سلاحا وسنحتفظ بمسدس الأخ عندنا.
اعتقد أن المثقف العراقي خضع لمتطلبات السياسة بشكل أكثر مما يطاق. واليوم يدفع المثقف ثمن خضوعه حين يلتفت فلا يجد له أي دور لان السياسة لم تعد تحتاج إلى مثقفين وأفكار ونظريات وأمثلة ونماذج.
وكان عمدة لندن بوريس قد نزل إلى الشارع وخطب ورفع مكنسة طالبا من الناس مشاركته في تنظيف الشوارع من هشيم الزجاج ومساعدة أصحاب المحلات في ترتيب محلاتهم فخرجت في مناطق كلابام وايلينغ برودواي وكامدن وكرويدن وغيرها مجاميع المواطنين وهم يحملون مكانسهم من بيوتهم لينظفوا المجتمع السليم من آثار المجتمع المريض وقد وعد عمدة لندن بتخصيص 100مليون جنيه استرليني لإعادة إعمار المناطق المنكوبة بأعمال العنف والشغب وبالتأكيد لن يسرق منها جنيه واحد ولن يكون الفساد وراء تخصيص المبلغ فالمسؤولية الوطنية والسياسية مسؤولية أخلاقية وقانونية ومهنية. وكان عمدة لندن قد دعا رجال الأعمال الكبار لمساعدة رجال الأعمال الصغار الذين تضرروا بسبب أعمال النهب والسلب، فالوطن واحد ومصالحه الاقتصادية في نهاية الأمر يتحملها الجميع، وقد دعت بعض الصحف قراءها لدعم المحلات الصغيرة في مناطقهم والتضامن مع أصحابها. ثم جاء رئيس الوزراء من عطلته على عجل وزار المناطق المنكوبة والتقى الناس وخطب طالبا إنزال العقوبات القانونية بحق المجرمين الذين تثبت مشاركتهم في أعمال السلب والنهب والقتل. وجاء زعيم المعارضة اد ميليبان الذي لم يبلغ الأربعين بعد وزار بعض المناطق مقلدا كثيرا من سياسيينا الذين يهتمون بالشعب ومصالحه وأمنه واستقراره وسائرا على خطى المسؤولين العرب المهتمين بشعوبهم. ولما كان السياسيون والوزراء والحكومة في إجازة فقد استشاطت الشرطة غضبا للفراغ الحاصل في الأوامر فقد تأخرت الشرطة كثيرا جدا وكنت أشاهد الحرائق وتكسير المحلات وإحراق السيارات في منطقة سكني واستغرب لعدم وجود شرطة وسيارات إطفاء وقرر الشرطة الغاضبون على قلتهم اتخاذ قراراتهم بالحفاظ على الأمن في حالة طارئة تتطلب قرارا سياسيا. حين جاء السياسيون قرروا استدعاء ستة عشر ألف شرطي لحماية بريطانيا من الفوضى والعنف فقد اندلعت أعمال العنف في مانشستر ولفيربول وبيرمنغهام التي تسكنها أغلبية هندية وباكستانية تقريبا.
لم تنته القضية وإنما بدأت فقد انفتح النقاش حول أسباب العنف ودوافعه وشارك الإعلام مع السياسة بتغطية الأفكار والتحليلات السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية، وكتبت الصحف( بريطانيا مريضة) وكتبت أخرى تقول: (القاضي يسأل أثناء محاكمة المتهمين: أين مسؤولية الوالدين من أعمال النهب. وكتبت صحيفة أخرى: عائلة تطرد ابنها من المنزل بعد مشاركته في أعمال النهب) فالقضية ليست أزمة سياسية  بين أحزاب وسياسيين بل أزمة داخل المجتمع الذي تتحمل السياسة المسؤولية تجاهه. وليست السياسة هي سب وشتم المنافسين السياسيين وتخوينهم وتبادل الاتهامات السياسية وإنما تحمل المسؤولية تجاه المجتمع والمحافظة على مصالحه. ومصالح الأغلبية اقتضت مطاردة مجرمين أقلية في مجتمع يصون القانون ويستخدمه لحماية الجميع.  وفي خضم ذلك كنت أفكر بالحصول على نسخة من ملحمة كلكامش طبعة جامعة أكسفورد عام 2004 لإهدائها لصديق انجليزي قديم اهتم بالعراق من خلال لقاءاتنا وذهبنا أنا وهو إلى مكتبة ووترستونس في فرعها في نوتينغ هيل غيت ولكننا لم نجد أية نسخة فاقترح عامل المكتبة أن يوفر نسخة من طبعة بنغوين على أن تكون جاهزة في المكتبة يوم الجمعة فوافقت. يوم الجمعة استلمت رسالة على هاتفي المحمول تقول أن النسخة جاهزة في الطابق الأول عند البائع رقم 3 وأنني استطيع أخذها ووجدت أن النسخة جيدة جدا فهي تحتوي على مقدمة وعلى شرح لتاريخ الملحمة كما تحتوي في نهاية الكتاب على مصادر تناولت الملحمة وعلى خرائط آثارية للعراق، وفي طريق عودتي ذهبت إلى البريد المحلي في منطقتنا لإرسال الكتاب في طرد بريدي وحين انتهيت من المهمة وأعطيت المغلف لموظفة البريد الهندية حيث يدير الهنود كثيرا من الأعمال في البريد والمترو والبنوك والمستشفيات وغيرها سلمتني وصلا الكترونيا وفيه رقم وحين خرجت قرأت فيه أنني استطيع التأكد من وصول الرسالة واستلامها على الانترنيت فابتسمت فالعراق بلد بلا بريد منذ ثلاثين عاما وكانت زوجتي تستلم رسائل بين فترة زمنية وأخرى من أمها في الثمانينيات باسم مستعار وكانت الرسائل تأتي وعليها طابع أردني يحمل صورة الملك الراحل حسين. وذات يوم سألني ساعي البريد الذي التقيته عند صندوق الرسائل في العمارة التي اسكن فيها عن أصلي فقلت له أنني عراقي فقال انه تصورني أردنيا لان الرسائل تأتي من الأردن وعليها ختم وطابع أردني فقلت له أنني عرفت أن الرسائل تجمع في العراق ثم ترسل إلى الأردن بدون طوابع فتوضع عليها طوابع الأردن وترسل إلى العالم. وكانت كل رسالة تأتي، تأتي مفتوحة ومعاد لصقها من جديد بعد أن تكون قد قُرئت من قبل الرقابة العراقية وأحيانا نجد أن الرقابة قد كتبت بكل صلافة أن الرسالة قد فتحت من قبل الرقابة حين يكون من المتعذر إعادة لصقها بشكل صحيح.
قضيت يومين أو أكثر وأنا ابحث في مواقع الجامعات البريطانية عن أعداد حملة الدكتوراه في بريطانيا. السبب هو أنني قرأت في المواطن خبرا عن  تخصيص أكثر من  6الاف و242 مقعدا للدراسات العليا، وهو عدد كبير جدا إضافة إلى الشهادات المزورة وإضافة إلى الشهادات التي منحتها جامعات صدام لكل من والى النظام المنهار بغض النظر عن مواهبه ودرجاته وكفاءاته ويدرّسون الآن مختلف العلوم بطريقة بيع البطيخ خاصة منهم من يدرسون الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني بعد أن درّسوا الأفكار العبقرية للقائد الضرورة. وتساءلت ما إذا كان العراق بحاجة فعلية لهذا الرقم من الدراسات العليا والميادين التي ستستوعبهم في ظل وجود آلاف العراقيين الذين يحملون شهادات دكتوراه في الخارج ولم يتوفر لهم وضع ملائم للعودة في ظل الصراع الذي قاده حزب البعث والبعثيون الحاليون ضد عراقيي المنفى لكي لا يعودوا في ظل صراع (حسد العيشة) الذي يواصله بعثيو الداخل خوفا على مواقعهم ومناصبهم.
يدر قطاع الدراسات العليا على الحكومة البريطانية 5.1 مليار جنيه إسترليني (اقل من ملياري دولار بقليل) من الرسوم، ومع هذا فان الحكومة تنفق قرابة850 مليون جنيه إسترليني أي أكثر من مليار دولار لدعم ميدان الدراسات العليا بدون أن تتدخل الحكومة في قرارات الجامعات. وبالمناسبة فان أقدم جامعتين في العالم الحديث هما جامعة اوكسفورد التي تعتبر إحدى أشهر جامعات العالم وأعرقها. تأسست أقدم كلياتها، وهي «يونيفرسيتي كوليدج» ـ أي الكلية الجامعية ـ عام1249 لتصبح أول معهد تعليم عالٍ في الجزر البريطانية. وخلال فترة قصيرة تأسست كليتان أخريان هما باليول وميرتون وبعدهما توالى تأسيس الكليات التي بلغ عددها الآن نحو 32 كلية. وتعتبر مباني كليات اوكسفورد، وكذلك مباني كمبريدج، من التحف المعمارية التي خطت نهجا للعمارة الأكاديمية في العالم. ويقدر مجموع كتب مكتبات اوكسفورد، بنحو 10 ملايين مجلد، وتملك الجامعة مراكز الأبحاث والمتاحف وحديقة نباتية ضخمة ودار نشر جامعية كبيرة مشهورة عالمياً.
أما جامعة كمبريدج فلا يمكن ذكر اسم اوكسفورد دون أن يذكر معه اسم كمبريدج، الجامعة المنافسة التي تأسست عام1252 اثر مشاجرات ومشاكل وقعت بين الطلبة وبعض أهالي اوكسفورد، فانتقل نفر من الطلبة وأساتذتهم إلى كمبريدج ووضعوا في المدينة اللبنة الأولى في صرح جامعة تحولت إلى إحدى أعظم جامعات العالم.
حاليا تضم كمبريدج أكثر من30 كلية منها كلية شهيرة وثرية مثل ترينيتي (الثالوث) ـ التي توصف بأنها «ثالث اكبر مالك للأرض في بريطانيا بعد التاج والكنيسة» ـ
وتضم مكتبات كمبريدج حوالي 9ملايين مجلد، وتملك الجامعة كثيرا من مراكز الأبحاث والمتاحف ـ أشهرها متحف فيتز وليم ـ والحدائق النباتية، ودار نشر جامعية كبيرة. وهاتان الجامعتان ولدتا عشرات الجامعات المهمة التي أسهمت في تطور العلوم والتكنولوجيا والطب وساعدت في قيام الثورة الصناعية والتفوق الحضاري فهل ننتظر من دكاترتنا نفس الشيء؟
لدينا أكثر مما نحتاج من شهادات عليا. وقد استطاع المزورون أن يثبتوا أن الدراسات العليا شيء خرافي ولا ضرورة له خاصة في ظل عودة (الأخلاق الحميدة) للنظام المنهار  فقد كان مؤلف كتاب (دماء على نهر الكرخة) قد كتب إهداء لصدام حسين في مقدمة كتابه يقول فيه (إلى زعيم بابل المعاصرة من ذلك النمط الحضاري الذي عرفه العالم في مسلات الملك الصادق سرجون الاكدي) وهذه الأخلاق اليوم تحتل مكانها البارز في الحياة السياسية والبرلمانية في العراق. فإذا كانت زورت تاريخنا المعاصر الذي عشناه وتصر على الاستمرار في تزويره فان تزوير شهادات ماجستير ودكتوراه لن يكون أكثر وقعا على مثل ألئك المزورين المحترفين في التزوير السياسي والأخلاقي والوطني.
في حديثه لجريدة الأنباء الكويتية قال صدام في عام 1981(إن الملايين من العراقيين على استعداد لتقديم دمهم في سبيل الأمة والوطن) وحين يضع الدكتاتور نفسه بمساعدة جوقة إعلاميين مرتزقة وخطرين ومتلونين مالكا للشعب فانه يزور إرادة هذا الشعب ويملك دمه ويلقي به في أم المهالك التي يشعلها باستمرار لكي يجعل حكمه مستمرا بالثمن الذي يدفعه الناس وأمامي مئات الصفحات الآن من (أدب قادسية صدام) مع مقدمة لناقد يعيد إنتاج نفسه اليوم في النظام الجديد يبحث فيها عن (عمق الصورة الإنسانية في قصة صياد الدبابات) وكان قد كتب إهداء في مقدمة الكتاب يقول (إلى أمل الأمة وفارسها الرئيس القائد صدام حسين). سؤالي: لماذا يكون النظام الجديد، الديمقراطي، الحر، المنتخب بحاجة ماسة ودائمة لإعادة إنتاج مثل هؤلاء المرتزقة وإعادة تشغيل ماكنتهم الدعائية التي تزور الوقائع والحقائق؟
إمامي الآن أكثر من مائة اسم من مزوري التاريخ ومزوري مشاعر ملايين العراقيين وأكثر من نصفهم الآن يواصلون تزوير الواقع سواء كانوا ضد النظام الجديد (هل بقي جديدا حقا؟) أم ضمن مؤسساته.
أما الخبر الثاني الذي قرأته فهو تثبيت تعيين 8000 موظف على ملاك مفوضية الانتخابات. انه رقم مخيف حقا من شأنه أن يحول مفوضية الانتخابات إلى سلطة تحكم وسلطة إدارة وسلطة تنازع. في بريطانيا يساهم عمال البريد، ولديهم خبرة توزيع الرسائل، في جمع وفرز الأصوات من محطات الانتخابات مع متطوعين من الطلبة والشباب وينجزونها في ساعات لأكثر من خمسين مليون ناخب في مناطق بريطانيا المختلفة دون أن يكون هناك 8000 موظف على الملاك الدائم. ودون أن يعرف احد من سيزور لصالح من. والغريب أن الذين وضعوا القوانين لتسيير الديمقراطية في العراق لم يراعوا تقاليدهم الديمقراطية في بلدانهم.
الأسبوع الماضي شاهدت على القناة الرابعة فلمين، الأول بعنوان: الأمير وأنا.. الزواج الملكي وتدور أحداثه في الدانمارك المعاصرة حيث يقع الأمير في حب فتاة أمريكية تدرس معه في الجامعة ويعثر احد الأمراء المفلسين الطامحين لتكون ابنته ملكة على نص قانوني في كتاب قوانين مخطوط يعود إلى 700سنة يمنع ولي العهد من الزواج بامرأة من عامة الشعب أو يتنازل عن العرش، والمهم أن الملكة الأم تنصح ولدها العاشق  الذي يريد أن يخرق القانون لأجل الحب قائلة: المهم أن نتصرف بما يراه الشعب صحيحا. ثم يعثر زملاء الفتاة في الجامعة على مخطوط صدر بعد الأول بسبعين عاما يجيز ذلك؛ وتنتهي القصة نهاية سعيدة مع شيء من الكوميديا الخفيفة التي لا تشبه الكوميديا الخليجية الجافة والمتصحرة والتي تنقلب إلى تفاهات بدون أي فن.
أما الفلم الثاني فقد كان رائعا زاد من روعته أداء الممثل القدير شارلس هيستون، الذي توفي قبل عامين. كان الفلم الذي اخرج عام 1968بعنوان(كوكب القرود) وهو فيلم فيه كثير من الفلسفة والحوارات القانونية والانثربولوجية وقصته أن القرود يحكمون كوكبا بدل البشر حيث يتحول البشر مكان القرود وتجرى عليهم التجارب الطبية من قبل الطبقة الأعلى وهي طبقة الغوريلا والشمبانزي. يصطاد القرود البشر بالشباك ويتصرف البشر مثل القرود الذين يرتدون الملابس ويركبون الخيل ولهم قانون لا يخرجون عليه ويبحث القرود في تجاربهم على شارلس هيستون الذي يظهر باسم تيلور عن الحلقة المفقودة في التطور وهو ما يقلب نظرية دارون بالعكس حيث القرود يحكمون البشر ويبحثون عن حلقتهم المفقودة.
حكمتي التي اخترعها لهذا اليوم هي:
إذا كان الحق مفقودا فدعونا على الأقل نتمتع بحرية الكلام عن الحق.
المنظمات غير الحكومية. التي تتبنى الولايات المتحدة تنميتها وتمويلها ورعايتها مالها غير عادلة وغير ديمقراطية وتنتسب لأحزابها أكثر مما تنتسب لعراقييها وأبناء عراقييها، فالدورات التدريبية حصة الأحباب والإيفادات للتعرف على التجارب الديمقراطية في أوروبا حصة أعضاء الحزب، وهي ماكرة ترسل إليك خبر الدورة التدريبية قبل يوم من بدئها في السويد وترسل إليك الخبر بعد يومين من بداية الدورة فتضرب عصفورين في حجر: تحتكر الدعوات وتخبر الممول والراعي بأنها أرسلت سبعة آلاف إيميل والنتيجة ثلاثة أو أربعة من الأحباب

التصنيفات : ارشيف الاخبار
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان