النجف نيوز – اقتربت من المسرح الملحمي {التشابيه} خطاب متعدد القيم

نوفمبر 4, 2016
20

كتب / علاء كريم تبقى الطقوس والشعائر تجسد تاريخيا لأنها تسترجع الحدث عبر الذاكرة الخيالية التي تنتقل بنا الى عوالم متزامنة مع تنامي المجتمعات وتحولها معرفيا وفكريا، الطقس له شكل محدد ينتج خلاله أفعالا جديدة تحمل الفكرة كلاسيكياً وتجسد الصورة بشكل معاصر. «المسرح الحسيني» أو « طقوس التعزية الدينية» قضية اختلف حولها الكثير من المعنيين في الحقل المسرحي، وهناك من اتفق معها، لأن غالبا ما يؤكد انه ليس لدينا (تجنيس مسرحي) بهذا الجانب بل ما يعمل به هو اشتغال لبعض الآليات على مستوى (النص أو المذهب المسرحي)، فضلاً عن الاهتمام في الجانب الفكري والفني التقني، الذي يسلط الضوء على «واقعة الطف» لاتخاذها منهاجا رسالياً يجسد على شكل خطاب متعدد القيم، يشتغل وفق مفاهيم أسلوبية حضارية تخلق تلاقحا فكريا متوافقا مع حاجة المسرح وأيضا المتلقي الذي يعتبر جزءا من العرض. ان ما يميز «المسرح الحسيني» اللغة المتعالية والتي وردت على ضوء ما متوفر من مصادر، فضلا عن الأفكار والصور الخيالية لبعض الكتاب، فلابد من أن تتناسب اللغة ومكانتهم المتميزة سواء أكان ذلك على خشبة المسرح أم في النص الأدبي المطبوع، وحتى تكون قادرة على الارتقاء إلى مستوى أفكارهم ورؤاهم، ونستطيع عبر هذه اللغة، أن نصل الى واقع الشخصية للقادة الرساليين ومشروعهم الذي يطرح إلى شرائح المجتمع المتعددة، لذلك لا نجد لغة أبلغ وأوضح من اللغة الشعرية الشفافة ذات المستوى الراقي من الدلالات والإيحاءات التي تؤثر في المتلقي وتنقله الى عوالم إنسانية يتعايش معها حسيا وروحيا وعاطفيا. وفي طقوس التعزية هناك التشابيه (الطقس الدرامي) الذي يجسد في فضاء مفتوح ويبدأ بدخول قافلة الإمام الحسين (عليه السلام) وعائلته ومعها الجمهور الذي سيشاهد هذا الطقس وهم يتجهون الى المكان الذي سيقام فيه « التشبيه « للتعبير عن مسيرة الحسين من المدينة الى كربلاء «.عندها يقف الجمهور على جانبي مكان التمثيل على شكل مستطيل او دائرة وفي الوسط يقام الطقس الدرامي بدون الاعتماد على خشبة مسرح كما في التعزية، وينقسم الممثلون(المشاركون) الى مجموعتين، جيش الإمام الحسين قرب خيامهم التي تميزها الرايات الخضر والسود وفي الجانب الآخر جيش الخليفة الأموي براياتهم الحمر ورايات أخرى مختلفة. عبر هذا الطقس يتشكل فعل الحدث الخاص بالتشابيه وعلاقتها بين التعازي والتغريب في المسرح الملحمي البرختي، إذ يمكن القول بان تقاليد التعزية في عاشوراء وبالذات التشابيه تشترك مع المسرح الملحمي بالكثير من المميزات والوسائل والخواص حتى وان كانت بمفهومها البدائي، لان الممثلين في طقس التعزية الدرامي(التشابيه) يقومون بتغريب بدائي للحدث والشخصية، التي تعرف تفاصيل الحادثة التاريخية ولهذا فانهم يعملون على إعادة خلق الطقس من جديد ولا يندمجون في الحدث والشخصية وإنما يكملونه أثناء إعادة تمثيل الطقس، أما الجمهور فانه يعرف الحدث والرموز والقصة ونهايتها المأساوية ويحفظ الخطب والحوارات والشعر والمراثي، ويعي جيدا بان الذي يراه هو إعادة تمثيل وتشبيه الحدث التاريخي. وان التركيز على العنف والقسوة وبشاعة الأحداث ودمويتها والتي يندهش لها ويرفضها متفرج الطقس المعاصر، فانها تؤدي الى حالة من التطهير من بشاعة الجريمة التاريخية، لكنه يربطها بظروف واقعه المعاصر. ولهذا فان المسيرة التي يقوم بها المتفرجون بعد انتهاء الطقس الدرامي «التشابيه « تتحول الى تظاهرة سياسية ضد الواقع الذي يعيشونه. طقس العزاء الحسيني يمتلك مساحات درامية قد تجسد على شكل صور ومشاهد إذا استنتجت بشكل صحيح وتحولت الى أفعال فنية منتقلة من واقعها الاجتماعي الى مفاهيم تطبق على خشبة المسرح، وبالتالي تجذب الجمهور حسياً وعاطفياً بهذا الحدث الذي يشكل استمرارية انفعالية في ذاكرة الفرد العراقي المتعايش مع هذه الواقعة المعبرة عن أسمى التضحيات والتي تعد تطهيرا للنفس البشرية، وبالتالي استطاع هذا المسرح خلق قيم عليا مرتبطة بالسماء لتجاوز صعاب الواقع ومحنه وكوارثه والنهوض بالإنسان حضارياً وصولا إلى حالة التقدم والطمأنينة والازدهار. ان الفكر الحسيني قد وصل إلى مناطق واسعة في أقطار الأرض، لذا نعتقد ان المسرح هو الأكثر تأثيراً والأكثر انتشاراً في جميع أنحاء العالم لذلك سيكون التأثير والتلاقح أكثر فاعلية وأكثر إيجابية، وهذا بدوره سيحقق وبشكل كبير رسالتنا الإنسانية التي نريد إيصالها إلى الشعوب عبر طقوس التعزية بــ «شكلها» المرتجل والمكتنز بقيم معرفية وفكرية فلسفية، لذا لا بد من أن يعتمد هذا الجانب الفني ويعمل به كـ «منهج» ومدرسة راسخة في كل المجتمعات والعلوم الإنسانية، ويجب أن تطرح هذه الطقوس المسرحية على أسس راقية المستوى لتطرح نفسها في الساحات الثقافية العالمية، ندعو إلى مؤسسات وفرق مسرحية متخصصة ومتوفرة على جميع جوانبها الفنية والفكرية والمادية، حتى لا يخرج العمل باهتاً بائساً لأن ذلك سيعكس ضعف وتشويه هذا الفكر الخلاق وربما تحريفه دون قصد مسبق. * كاتب وناقد اكاديمي الصباح

التصنيفات : ارشيف الاخبار
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان