النجف نيوز – بعد تهديد أطباء التخدير ..مادة (البنج) توقف العمليات الجراحية

نوفمبر 4, 2016
18

متابعة/النجف نيوز

تحقيق / قيس عيدان.. تصوير: محمود رؤوف 

توجّه سجاد الطفل البالغ من العمر عشر سنوات الى مستشفى الشيخ ضاري في بغداد برفقة والده ووالدته وشقيقه الأكبر بُغية إجراء العملية الجراحية بعد ان استقر الرأي الطبي على ذلك وتم تحديد الموعد قبل اكثر من شهر. القلق يُرواد والده خوفاً من عدم توفر الدواء الذي يُوصف عادة بعد العملية الجراحية . جرعات الخوف عند سجاد تتصاعد كلما اقتربوا من المستشفى وهو يتصور صالة العمليات بأدواتها الجراحية وكيف ستجول بجسده، لكن سرعان ما غادره الخوف حين سمع كلام الطبيب الذي أخبر والده متأسفاً بتأجيل العملية لعدم توفر مادة (التخدير) في المستشفى الى وقت آخر.

السياسة الدوائية الخاطئة 

في الاسبوع الماضي نشرنا تحقيقاً بخصوص قلـَّة كوادر التخدير من أطباء وكادر مساعد، في المستشفيات الحكومية والأهلية لأسباب عدة ذُكر أغلبها في التحقيق، الذي جاء تحت عنوان (طبيب التخدير … يُهدد بإيقاف العمليات في المستشفيات) لكن الذي يبدو ان مادة التخدير هي التي أعلنت إيقاف بعض العمليات في المؤسسات الصحية العراقية. 

المواطن نوار يحيى جواد مراجع لمستشفى حكومي يوضح  لـ(المدى): أن وزارة الصحة والبيئة انتهجت نهجاً غير سليم بتوفير الأدوية مما ادى الى فوضى كبيرة في توفير بعضها وشح الآخر . مشيراً: الى نقص أدوية إنقاذ الحياة الخاصة بالأمراض المزمنة.  الأمر الذي اضطر الكثير من المرضى وهو منهم الى شرائه من القطاع الخاص وبأسعار مرتفعة. منوِّهاً: الى نقص ادواية التخدير في معظم المستشفيات العراقية، مستشهداً: بمراجعته اكثر من مرة لأجل إجراء عملية جراحية لكنها تُؤجل كل مرة وأخرى بسبب فقدان مادة التخدير! 

مَن يُقدِّر الحاجة الفعلية؟ 

الدكتور الصيدلاني منذر عبد الجبار أوضح لـ(المدى) ان وجود الاختصاص يكون عاملا مهما جداً في معرفة الحاجة الدوائية ومقدار الحاجة الفعلية لها في عموم المؤسسات الصحية. مشدداً: على ضرورة ايجاد خطة علمية تستند الى احصائيات وارقام للمرضى وأمراضهم يتم العمل بموجبها. لافتاً: الى اهمية ادواية الامراض المزمنة وضرورة توفرها مع مادة التخدير التي تُعد العمود الفقري لعمل المؤسسات الصحية.  

واضاف عبد الجبار: الكثير من الأخطاء التي رافقت عمل المؤسسات الصحية غياب الاختصاص، إذ كان في الجانب الاداري او الطبي. مؤكداً: على ضياع جهود كبيرة لبعض الكوادر الطبية التي قدمت بحوثاً ودراساتٍ مهمة لأجل النهوض بالواقع الصحي في البلد الذي انحدر للأسف الشديد. 

بعض الأدوية خطٌ أحمر

المتحدث الرسمي في وزارة الصحة  والبيئة د. أحمد الرديني  أوضح  لـ(المدى): ان هناك  العديد من العقود الخاصة بالشركة العامة لتسويق الادوية والمستلزمات الطبية المتوقفة بسبب عدم تخصيص المبالغ اللازمة من قبل وزارة المالية. مشيراً: الى أن ادوية التخدير من بين تلك الادواية اضافة الى ادوية اخرى ضرورية مطلوب توفرها في المؤسسات في عموم المحافظات. 

وأضاف الرديني: أن الوزارة فاتحت وزارة المالية بهذا الخصوص والمشاكل التي تواجه عمل المؤسسات الصحية الحكومية والنقص  الحاصل في العديد من الادوية والمستلزمات الطبية ومنها ادوية التخدير. مؤكداً: على ضرورة ان يكون هناك خزينٌ يكفي لسد النقص الحاصل في المستشفيات او على الأقل إجراء مناقلة مابين المستشفيات في حال نفاد مادة معينة. مشدداً: ان استيراد أدوية علاج الامراض السرطانية او التخدير وغيرها  يُعد بمثابة خطٍ أحمر لا يمكن التأثير فيه مهما كانت الظروف.

كما أكد الرديني: على أن الأدوية الضرورية التي لا يمكن الاستغناء عنها او تقليلها على الرغم من الظرف المالي الصعب الذي تمرُّ به البلاد كأدوية الامراض المزمنة وبقية المستلزمات الداخلة في العمليات، سيتم توفيرها من خلال الموازنة اضافة الى رسوم التمويل الصحي. مشيراً: الى استمرار الوزارة بالتعاقد مع شركات عدة لتأمين ما تحتاجه المؤسسات الصحية من الأدوية والمستلزمات الصحية الأخرى.

مسؤولية تسويق الأدوية 

مدير إعلام دائرة صحة بغداد الرصافة قاسم عبدالهادي أوضح لـ(المدى) ان المؤسسات الصحية عموماً تعاني من نقص مادة (الأتروبين المخدرة) التي تستخدم في العمليات الكبرى وفي صالات الطواري احياناً. مضيفاً: أن الشركة العامة لتسويق الأدوية قد وفّرت قبل اكثر من شهر كميات منها لكنها لم تفِ بالحاجة الفعلية ولمستوى الطلب عليها في المؤسسات الصحية. مشيراً: الى أن العمليات التي تُجرى حالياً هي للحالات الحرجة والطارئة فقط.

واسترسل عبدالهادي: ننتظر الآن وصول كميات من مواد التخدير (البنج) بغية توزيعها على المؤسسات الصحية واستئناف اجراء العمليات في مواعيدها المحددة. موضحاً: ان دائرة صحة بغداد الرصافة حققت ايرادات مالية تقدّر بأكثر من (4) مليارات دينار من خلال فرض رسوم التذاكر وغيرها وفق المادة (25) من قانون الموازنة للعام الحالي. مستدركاً: لكن عملية شراء تلك المادة الدوائية من القطاع الخاص وفحصها  من قبل المركز الوطني للرقابة الدوائية يتطلّب وقتاً طويلاً.  

الاحتفاظ بشكل شخصي

في السياق ذاته أوضح الطبيب المختص رياض      عبدالحسين لـ(المدى) ان مادة التخدير وتوفرها في المؤسسات الصحية ومنها صالات العمليات تُعد إحدى المعاناة الحقيقية لأطباء التخدير بوجه الخصوص. مستطرداً: حتى وصل الأمر الى قيام الاطباء العاملين في مجال التخدير الى الاحتفاظ بكميات من المادة وبشكل شخصي لغرض القيام بواجبهم للحالات الحرجة التي ترد الى صالات الطوارىء خاصة التي تتطلب التداخل الجراحي بشكل عاجل. موضحاً: ان جميع المعنيين في ادارة المؤسسات الصحية على علم بهذا الأمر من دون أن يحرِّك أحدهم ساكناً. 

اتخاذ إجراءات سريعة

مصدر في أحد مستشفيات صحة الرصافة رفض الكشف عن اسمه ذكر لـ(المدى) أن مادة التخدير المستخدمة في العمليات الكبرى كانت متوفرة بكميات كبيرة في عموم المستشفيات الحكومية ولم تكن هناك مشكلة. مستدركاً:  لكن في الوقت الحاضر بدأت المادة تنفد، بل  يمكن القول انها نفدت في عموم مستشفيات الرصافة. متابعاً: الأمر الذي دعا الى تأجيل الكثير من العمليات الى الشهر المقبل عسى ان يتم توفيرها في القريب العاجل. داعياً الى ضرورة التحرك سريعا لتدارك أية مضاعفات يمكن ان تُصبيب بعض المرضى ممن أُجِّلت عملياتهم الجراحية.

الموجود للحالات الطارئة فقط 

مرتضى سمير مسؤول إعلام مستشفي الكندي ذكر لـ(المدى) ان مادة ( الأتروبين) المخدرة فى طريقها الى عموم المستشفيات بعد ان نفدت لفترة قصيرة. موضحا: ان المستشفى عمل في الفترة الحالية على اجراء العمليات للحالات الطارئة فقط . معللاً سبب ذلك لكثرة الحالات الطارئة التي تحتاج الى تداخل جراحي وبالتالي لابدَّ من توفر مادة التخدير.

وتطرَّق سمير : الى أن مستشفى الكندى يُعد من المستشفيات الكبرى في العاصمة بغداد التي تستقبل يومياً المئات من المراجعين والحالات الطارئة وجرحى العمليات الإرهابية. مردفاً: الأمر الذي يتطلب توفير كميات وخزين من الأدوية والمستلزمات الطبية. مشيرا: الى الأزمة المالية التي تسببت بإرباك عمل المؤسسات الصحية في العراق. مستدركا: لكن هذه مسؤولية كبرى وعلى الجميع تحملها خاصة مَن تصدّى لها وقبل بها. داعياً: المعنيين في الحكومة الى اعادة النظر في دعم القطاع الصحي خصوصاً التخصيصات المالية المخصصة ضمن الموازنة .

الضغط على الحكومة 

الدكتور أيمن عبد الرزاق مقيم في أحد مستشفيات بغداد يقول لـ(المدى): نتعرض للكثير من الضغوط بسبب عدم وجود بعض الادوية حتى وصل الأمر الى اتهامنا بذلك. مضيفاً: وقد حصل العديد من المشاكل مع الأطباء الخفر بهذا الشأن حتى ان بعضهم تعرَّض للضرب والسب والشتم. مشيراً: احياناً نشعر بالإحراج والخجل حين نصف بعض انواع الادوية للمرضى في الساعة الثالثة صباحاً ونقول اذهب واحضر هذا الدواء من الصيدليات الأهلية. لافتاً: الى ان اهم تلك الادوية التي نعاني من نقصها المزمن ادوية التخدير الخاصة باجراء العمليات الجراحية او معالجة بعض الحالات الطارئة.

 واضاف عبد الرزاق:  لابدَّ من الضغط على المعنيين في الحكومة بضرورة ان يُعيدوا النظر وينظموا الأمور المالية الخاصة بالمسشتفيات. مردفاً: لاسيما أن وزير المالية  اعلن في موتمر صحفي ان توفير السلاح والدواء والغذاء من أوليات الحكومة. مستدركا: لكن واقع الحال يقول غير ذلك! 

الحرص على القيام بالواجب

طبيب تخدير رفض الكشف عن اسمه يعمل في مستشفي الجراحات التخصيصية في دائرة مدينة الطب يقول لـ(المدى): لا نستغرب حين نقول ان عملنا اصبح كابوساً، متابعاً: العديد من الحالات الحرجة التي تردنا وخصوصاً جرحى العمليات العسكرية بحاجة الى عمليات صغرى وكبرى لا يتم إجراؤها من دون مادة التخدير التي يمكن تأمينها لخمس او اربع حالات يومياً، متسائلا: كيف ببقية الحالات؟

واشار الطبيب: الى وجود تصرّف شخصي من قبلنا والمتمثل بتأمين المواد المخدّرة كاحتياطي للحالات الطارئة. من اجل اتمام عملنا والقيام بواجبنا على اتم وجه، مسترسلا: برغم الصعاب الكثيرة التي تواجه عمل الملاكات الصحية في المستشفيات لكن هناك اصراراً من البعض على العمل بحرص. داعيا: الى اهمية تأمين مواد التخدير في اسرع وقت. متسائلا: ان لم توفر في هذه الظروف تُرى كيف سيتم توفرها في الظروف الأكثر حرجاً؟ 

توفرها خلال أيام

مدير الشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية في وزارة الصحة والبيئة  وكالة، الدكتور احمد حميد يوسف اوضح في تصريح صحفي ان الادوية والمستلزمات الطبية التي شُحت مؤخراً وذكرت في عدد من وسائل الإعلام على لسان محافظ بغداد، يتم تزويد المستشفيات بها، مؤكدا تأمين مادة المغذيات في دائرتي صحة بغداد الكرخ والرصافة، وجارٍ تسلّم حصتهما منها بشكل طبيعي.

 واشار يوسف الى توفر دواء (الأتروبين) وهو حاليا قيد الفحص، اذ سيتم تزويده للمستشفيات خلال ايام. منوِّها: بان مادة التخدير تنتظر اطلاق التخصيصات من وزارة المالية، مبيناً: انه يتم حاليا التعاقد مع الشركات العالمية الرصينة التي بدورها لا تتعامل إلا مع الحكومات وليس المستشفيات والمؤسسات الصحية، بيد انه اكد استثناء الوزارة لمؤسساتها الصحية من شراء الادوية بشكل مباشر بمبلغ لا يتجاوز الـ 50 مليون دينار شهرياً ولكل مادة.

التصنيفات : ارشيف الاخبار
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان