مئات الأبراج تزدحم وسط الأحياء السكنية

بواسطة عدد القراءات : 9678
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مئات الأبراج تزدحم وسط الأحياء السكنية

بغداد – بشير خزعل

تكاد لا تبعد المسافة بين برج وآخر سوى بضعة أمتار، فأغلب أسطح البنايات والبيوت أصبحت محطات لشبكات الاتصالات والانترنت، من يريد أن ينصب برجا لأي غرض كان لا يحتاج الى موافقات أو مراجعات خاصة، فالمسألة اختيارية ولا يحق لأي شخص الاعتراض عليها، حتى لو كان متضررا من وجود تلك الأبراح والصحون المثبتة عليها قرب بيته أو في محلته، شركات الانترنت والهواتف الجوالة في تنافس محموم في ما بينها، فكثافة وجود أبراج الاتصالات وسط الأحياء السكنية من دون المسافات القانونية وشروط السلامة الصحية ليس من أولوياتها.خطورة

 

أغلب شركات الاتصالات تنصب الأبراج أينما تشاء وفي أي مكان يناسبها، مستغلة جهل المواطن البسيط والإغراءات المادية التي تقدمها له من أجل نصب برج الاتصال فوق أسطح المنازل والبنايات، بعض الدراسات أثبتت مخاطر هذه الأبراج من خلال تعرض النسيج العصبي ‏للإشعاعات الصادرة منها والتي تسبب تغيرات ‏فسيولوجية كهربائية في الجهاز العصبي، فيما بينت بعض الدراسات الأخرى أنها تؤدي إلى تسخين الأنسجة الحية، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث خلل يعطل عمل الذاكرة لدى الإنسان ويصيبه بأمراض مستقبلية خطيرة.

 

الحقيقة

 

مهندس الالكترونيات أسماء صاحب قالت: «يجب أن تتابع المؤسسات الحكومية والوزارات المختصة آثار أبراج الاتصالات في صحة المواطن للتوصل إلى نتائج علمية دقيقة يتم على أساسها التعامل مع شركات الهواتف الخلوية من أجل المحافظة على الصحة العامة، فمن المهم جدا تفعيل دور المجالس المحلية والبلدية وتشكيل لجان في كل محافظة تتألف من الدوائر الخدمية مثل الصحة والبيئة والبلدية والاتصالات لمراقبة تنفيذ شروط التصميم الهندسي لأبراج الاتصالات عند نصبها».

واضافت «لا بد من تفعيل نظام المراقب البيئي المنصوص عليه في قانون حماية وتحسين البيئة العراقية لمراقبة عمل أبراج الاتصالات بعد نصبها من خلال قياس قوة الأشعة الكهرومغناطيسية المنبعثة منها، فتلك الأبراج تبعث أشعة وبترددات مختلفة، لكن ما مدى ضررها وتأثيرها في السكان، إذ لا بد أن يخضع الى تقارير وفحوصات وزارة البيئة والصحة لبيان حجم الضرر الذي تسببه تلك الأشعة».

 

بحوث

 

إحدى الدراسات الفرنسية أجريت على قاطني الطوابق العالية من الأبنية الواقعة في مستويات موازية لنقاط البث، ‏توصلت الى أن أعراضا مرضية تظهر على المتعرضين لإشعاع تلك النقاط، إذ ظهرت أعراض الإرهاق (على أبعاد ‏أقل من 250 مترا)، واضطراب في النوم، وقلق (على أبعاد أقل من 150 مترا)، وضجر وسرعة في ‏الانفعال، وفقدان ذاكرة، ودوار واكتئاب (على أبعاد أقل من 100 متر)، كما أشارت الدراسة إلى تأثر الإناث بشكل ‏أكبر من الذكور وإصابتهن بفقدان الشهية والاكتئاب بشكل ملحوظ، وبينت الدراسة ان أبراج الاتصالات تسبب تلوثاً كهرومغناطيسياً يؤدي للإصابة بالعديد من الأمراض الخطيرة، ومشاكل لمرضى القلب، إذ تؤثر الاشعاعات في عمل أجهزة تنظيم دقات القلب ولها تأثيرات مستقبلية في الجهاز العصبي لا سيما عند الأطفال.

 

إغفال

 

مهند كاظم (مهنس تصاميم ومختص بشؤون البيئة)، بين أن «استخدام أجهزة الاتصال وشبكة الانترنت بواسطة الأبراج أغفل مراعاة الشروط التي تفرضها السلامة الصحية والبيئية بطريقة عشوائية غير مدروسة، الأمر الذي يسبب أضرارا صحية وبيئية تهدد الجميع من دون استثناء، خاصة بعد ان كثر الجدل حول تأثير أبراج الهاتف النقال في صحة الإنسان العامة وما تسببه من أضرار على وظائف الدماغ والجهاز العصبي وبالذات عندما بدأت تنتشر الابراج وسط الأحياء السكنية بشكل كبير». موضحا ان الإشعاعات الكهرومغناطيسية التي تبعثها تلك الأبراج بصورة مستمرة على شكل دائرة نصف قطرها عدة كيلومترات من أجل أن يتداخل مجال عملها لتغطى المناطق المستهدفة بخدمة الخلوي».

وأكد كاظم أن «خطورة أبراج الاتصالات تكمن في الأشعة الكهرومغناطيسية المنبعثة منها وقدرتها على التفاعل مع خلايا جسم الإنسان الذي يمكن أن يكون في ثلاث صور، هي اقتران المجال الكهربائي والمغناطيسي للأشعة مع خلايا جسم الإنسان وامتصاص الخلايا لطاقة هذه الأشعة، ما يؤدي إلى ارتفاع في درجة حرارة الخلايا، وبما ان طاقة الأشعة تتناسب عكسياً مع مربع المسافة التي تقطعها فإنه كلما بعد الإنسان عن برج الاتصالات سوف تقل طاقة الأشعة التي تصل لجسمه، لذا فإن التصميم الهندسي للبرج ضروري لضمان عدم تعرض الإنسان لمستوى عال من الطاقة».

 

آراء

 

علي محسن (أحد أصحاب المنازل التي نصب فوقها برج للاتصالات)، قال: «الشركة نصبت البرج منذ العام 2008 ولا توجد لدينا أية مشاكل صحية، ولم نتسبب بأي أذى للجيران أو أشخاص آخرين من المنطقة، ونحن كعائلة نجني مبلغا بحدود 500 دولار كإيجار شهري لنصب البرج فوق سطح المنزل».

في حين أبدى جاسم عبد علي (موظف في وزارة الصناعة) «قلقه من ازدياد أعداد أبراج الهاتف الجوال وسط الأحياء السكنية بسبب المخاطر الصحية التي ينطوي عليها وجود تلك الأبراج»، وأشار الى ضرورة إبعادها عن المنازل ونصبها في الساحات والفضاءات البعيدة، منوها بضرورة أخذ موافقة المجلس البلدي أو الجيران على نصب البرج وليس صاحب الدار لوحده؛ لأن الضرر قد يصيب أشخاصا أبعد من حدود 200 متر، مؤكدا أن موضوع وجود الأبراج وسط الأحياء السكنية أصبح شائكا بعد أن اختلفت حوله الروايات وتضاربت دقة نتائج البحوث والدراسات الطبية في تقدير نسبة أضرارها على المشتركين.

 

أضرار

 

يقول الدكتور سامي فرج (اختصاصي أمراض الجهاز العصبي): «إن الإشعاعات الكهرومغناطيسية لها تأثيرات على المدى البعيد والبعض منها قد يتسبب بإصابات مباشرة لمن هم في الدائرة الضيقة لهذه الإشعاعات، بعض الدول المتقدمة مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تمنع وضع أبراج الاتصالات على أسطح المباني، ولا تسمح إلا بوضعها ‏في أماكن بعيدة عن المساكن، وفي بعض المناطق التي يكون فيها مكان البرج اضطراريا تنصب أجهزة لطرد الأشعة الصادرة من هذه الأبراج داخل البيوت القريبة منها».

وأضاف «ان مجموعة من العلماء قامت بدراسة تأثير الإشعاع الصادر عن هذه الأبراج في السلوكيات العصبية ‏للسكان القاطنين في المبنى الموجود فوقه البرج وفي المباني المقابلة للبرج، وقارنتهم بأناس قاطنين في مناطق لا ‏توجد بها أبراج مع مراعاة السن والجنس والمستوى التعليمي والمعيشي، واتضح من الدراسة أن السكان القاطنين في ‏الأماكن القريبة من الأبراج يعانون من فقدان للذاكرة، وأعراض إعياء وصداع ورعاش لا إرادي. ولاحظوا وجود فرق واضح في الأعراض بين الأشخاص المعرضين لإشعاعات الأبراج وبين ‏الأشخاص غير المعرضين لهذه الإشعاعات».‏

وأشار الى أن «من الأضرار الصحية التي تسببها أبراج الاتصالات حدوث تغيرات فسيولوجية في الجهاز العصبي، ولذلك لا بد من إعداد تعليمات وضوابط خاصة او تشريع قانون يحمي المشتركين بخدمة هذه الأبراج من التعرض لضررها المستقبلي الخطير».

 

سرطان الدم

 

الخبيرة البايولوجية زمن علي قالت: «توجد دراسات علمية قام بها مختصون في مجال الاتصالات بينت الأعراض الصحية التي تصيب الأشخاص القريبين من أشعة أبراج الجوال على حسب المسافة من البرج وكانت أعراض الإحساس بالتعب موجودة لدى من يسكنون على مسافة أقل من 300 متر من البرج. أما أعراض الصداع واضطرابات النوم فكانت الغالبة على الذين يسكنون على بعد 150 مترا من برج الجوال، اما الأشخاص الذين يسكنون على بعد 100 متر من برج الجوال فكانت لديهم أعراض الاكتئاب وفقدان الشهية وعدم الإحساس بالراحة».

في حين بين طبيب الأطفال ماجد الكبيسي «ان أحد المعاهد البريطانية المختصة ببحوث السرطان أثبت أن الإشعاعات الناتجة عن أبراج الهاتف تسبب تلوثاً كهرومغناطيسياً غير مرئي يسبب سرطان الدم والعديد من الأمراض الجسدية والنفسية التي قد تتدرج في ظهورها على فترات زمنية مختلفة، كما أنها تسبب حالات من الإرهاق والتوتر الذي يصاحبه صداع مزمن، فضلا عن تأثيرها على المدى البعيد بالنسبة للأطفال، إذ يعتقد أنها تسبب سرطان الدم (اللوكيميا) وسرطان الثدي لدى النساء وأمراض الجهاز العصبي المركزي الزهايمر (الخرف)، علاوة على توصل الدراسة الى حقيقة الآثار السلبية المؤثرة في تطور ونمو الجنين، إذ تحدث عيوباً خلقية وتؤثر في خصوبة النساء».

وأضاف الكبيسي «وجود أبراج للجوال بالقرب من المنازل يعد أمراً خطيراً وله أضرار كبيرة، فالدراسات والمنظمات الطبية والبيئية أثبتت هذا الأمر، وهناك بعض الإصابات والأمراض بسبب هذه الأشعة، لكننا لا نملك الأجهزة الطبية والتكنولوجية التي يمكن أن تثبت وتدين نسبة ضرر هذه الأبراج على المواطنين».

 

إجراءات

 

مصدر في وزارة البيئة بين «ان الأضرار المترتبة على عمل أبراج الاتصالات قد نص عليها قانون حماية البيئة العراقي رقم (3) لسنة 1997 الخاص بمنع ممارسة النشاطات الباعثة للأشعة الكهرومغناطيسية غير المؤينة والمنبعثة من محطات البث الرئيسة والأبراج والهوائيات الخاصة بالهواتف النقالة وغيرها إلا في نطاق التعليمات والضوابط التي تصدرها الوزارة لهذا الغرض».

وقد أصدرت وزارة البيئة العراقية التعليمات القانونية رقم (1) لسنة 2007 للوقاية من الإشعاعات غير المؤينة الصادرة عن الأبراج الرئيسة والثانوية للهواتف النقالة من أجل حماية الإنسان والحيوان والنبات وعناصر البيئة الأخرى من التأثيرات البايولوجية للإشعاع غير المؤين، كما صدر قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009، والذي نصت المادة 15 فيه الفقرة الخامسة على (ممارسة النشاطات الباعثة للأشعة الكهرومغناطيسية غير المؤينة والمنبعثة من محطات البث الرئيسة والأبراج والهوائيات الخاصة بالهواتف النقالة وغيرها إلا في نطاق التعليمات والضوابط التي تصدرها الوزارة لهذا الغرض).

 

الصباح