بذرة طيبة تزرعها العتبة الحسينية المقدسة لأيتام كربلاء

بواسطة عدد القراءات : 10641
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
بذرة طيبة تزرعها العتبة الحسينية المقدسة لأيتام كربلاء

  كربلاء – سعاد البياتي 

 

بعد أن أهدت لهم العتبة الحسينية الشريفة مدرسة «رقية الأهلية المجانية للأيتام» قبل ثلاث سنوات، وحققت نجاحا وتفوقا كبيرين، عادت لتكرر هديتها لهم في مدرسة «علي الأصغر للأيتام الذكور» بعد أن فصلوا عن اناث رقية العام الحالي، هذا المشروع الإنساني المتطور افتتح من قبل ممثل المرجعية العليا سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في النجف الأشرف بعد عمل دؤوب ومتكامل وبإشراف المرجعية العليا في العتبة الحسينية المقدسة التي ترعى شريحة الأيتام ووفرت لهم أجواء دراسية سليمة وحديثة. عن هذا المنجز الكبير أوضح المشرف على المدرسة سعد الدين البناء بالقول: «بعد عمل دؤوب وخلال فترة قياسية، تم إنجاز مدرسة «علي الأصغر» التي تشمل دراستها مرحلتي الابتدائية والثانوية، ولجنس البنين فقط، بإشراف مباشر من ممثلية مكتب السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، إذ يأتي هذا الإنجاز، بعد إكمال مدرسة «السيدة رقية عليها السلام» للأيتام الخاصة بالبنات والمجاورة لهذه المدرسة وبتمويل من المتبرعين من داخل العراق وخارجه ومن حقوق سهم الإمام».

شيدت على أرض مساحتها (800) متر مربع، تحتوي على أربعة طوابق بواقع (24) صفا، بطاقة استيعابية تصل الى (430) طالبا، وتحتوي أيضا على مكتبة ومختبر ومطعم، فضلا عن توفيرها الخدمات الأخرى التي يحتاجها الطالب والتي تقدم بشكل مجاني كالنقل والإطعام ومستلزمات أخرى مثل القرطاسية والكتب، فضلا عن نصب محطة تحلية الماء للمدرستين ولأهل المنطقة وتقوية الكهرباء.

 

حقيقة مفرحة

 

توجهنا نحو منطقة الشبانات موقع المدرسة وهي على الطريق المؤدية الى قضاء الهندية التي تبعد سبعة كيلومترات عن مركز مدينة كربلاء، وهي منطقة تحيطها البساتين وتسكنها عائلات فقيرة، تخلو من الإعمار ومظاهر الرفاهية والتطور، التقطت عيوننا بنايتين شامختين تعلوان وسط البيوت القديمة ذات طوابق أربعة وبطراز معماري رشيق وألوان مبهجة توحي للناظر بجمالية تصميمها وهيئتها، فهي كالشجرة المزهوة بخضرتها وسط جفاف الأراضي والبيوت التي تخلو من المعالم الحضارية، إنهما مدرستا «السيدة رقية « و»علي الأصغر» الثانوية.

«الصباح» زارت المدرسة المذكورة وحضرت افتتاحها بدعوة كريمة من العتبة الشريفة لتشهد فرحة الأيتام بتعليم جيد وراق.

حدثنا مدير المدرسة نزار عبد خشان الذي كان بمثابة الأب لـ 430 يتيما وهذا ليس ترويجا بقدر ما هو حقيقة لمسناها من حب الطلبة له وطريقة حنوه عليهم واللجوء إليه في كل ما يعرقل حياتهم اليومية وهمومهم حتى بعد الدوام الرسمي قائلا: «تعد صرحا تربويا تعليميا وبذرة طيبة ينعكس مداها على التخفيف من حدة الفقر والتسرب الدراسي الذي يكثر في المحافظات وتتركز قيمته المعنوية في نفوس اليتامى وعائلاتهم لاحتضانهم بالشكل الذي يوفر لهم فرصة جيدة للمستقبل، إذ تحققت أحلامهم وآمالهم للدراسة في مدرسة جميلة وواسعة، لذلك كانت تعمل وفق أسس سليمة وصحيحة وبأرضية تعليمية خصبة وغاية في التقدم حينما منحتهم فرصة الدراسة في مؤسسة خاصة بهم تتضمن كل مواصفات المدارس الأهلية في العراق ووفق أساليب حضارية ومنهجية متطورة وحسب مناهج التربية تستقبل الطلبة والطالبات للمراحل الابتدائية والثانوية».

وأضاف «هي مبادرة كبيرة من ممثلية المرجعية العليا في النجف الأشرف، وبإشراف ومتابعة العتبة الحسينية المقدسة التي قدمت كل إمكانياتها الخدمية واللوجستية الكاملة، كي تسير الخطوة الميمونة بنجاح، وهي تحتضن الطلاب فاقدي الأب أو يتيمي الأبوين، تقدم لهم الرعاية والتعليم المتميزين وفق تعاليم الدين الحنيف الذي يحرص على منهج كفالة اليتيم ومد يد العون والمساعدة لا سيما في مجال حق التعليم الجيد والرعاية الصحية والمعونة المادية والمعنوية وغيرها، إذ خصصت لهم وسيلة نقل من وإلى المدرسة ووجبات الطعام، علاوة على إمكانيات الدعم المستمر في المناسبات الدينية ووسائل الترفيه».

 

تعليم متميز

 

عن الجوانب التعريفية لها يشير سعد البناء الى أن «كل صف يضم بين 24 الى 30 طالبا، ومؤثث بأحدث الأجهزة والمستلزمات الدراسية، كذلك تحتوي المدرسة على قاعات وصالات للاستراحة وتناول الطعام وممارسة الرياضة والمطالعة الخارجية وعقد الندوات ومصلى وقاعة للحاسبات والانترنت، فضلا عن تخصيص صالة لمعالجة الحالات الطارئة وتقديم الخدمات الطبية للطلاب وعلى نحو تمريضي متطور».

وبين البناء أن «اختيار الملاك التعليمي تم على أساس الخبرة والاختصاص وممن يمتلكون مؤهلات تربوية وعلمية جيدة ويعملون بروح فريق العمل الواحد ويتعاملون مع الطلبة الأيتام معاملة أبوية حانية، تستقبل المدرسة على الدوام الوفود من داخل وخارج العراق لمشاهدة مستوى التعليم والرعاية التي تقدم لهم، فضلا عن الإعانات المادية والتجهيزات المدرسية كاملة توفرها ممثلية المرجعية في مكتب كربلاء المقدسة».

 

مشاريع مستقبلية

 

وعن المشاريع الأخرى التي تخدم هذه الشريحة المهمة ومتابعتها إنسانيا واجتماعيا، يبين البناء أن «المشروع القادم يتضمن إنشاء جامعة متخصصة، تجاز رسميا من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لاستقبال الخريجين من مدارس الأيتام هذه، عن طريق القبول المباشر، بما يستثمر طاقاتهم العلمية بعد تخرجهم وتوظيفهم في مصانع ومعامل ستنشئها العتبة، ومن ثم تزويجهم وإسكانهم».

ومن البركات الأخرى تم تشييد مدرسة «أولاد مسلم للأيتام» ايضا في منطقة البوبيات بمساحة 1250 مترا مربعا ذات طوابق خمسة، فضلا عن مشاريع أخرى تصب في خدمة الأيتام، ويعد ذلك تثمينا ووفاء للدور الذي قدمه أبطال القوات الأمنية والحشد الشعبي وعرفانا لتضحياتهم العظيمة في سبيل توفير أجواء آمنة للعراق، ولا بد من رد الجميل لأولادهم الذين يستحقون منا الرعاية والاهتمام بمستقبلهم».

 

معلمون آباء

 

الجدير بالذكر ان الطلاب الأيتام المتواجدين في هاتين المدرستين يتمتعون بالذكاء والمتعة كونهما تختلفان عن المدارس الحكومية في كل شيء، ومن خلال حديثنا معهم عبروا عن بالغ حبهم للمجيء مبكرا إليهما ومتابعة الدروس مع الهيئة التعليمية التي تحرص على متابعتهم يوميا ومن جميع النواحي، الى ذلك أخذتني فرحة مماثلة وهم يرفلون بتعليم ممتاز تحت رعاية أبوية كريمة، تمنيت أن يحظى أيتام العراق في مختلف مراحلهم بذات التعليم والأجواء الدراسية والعناية التامة كما أوصانا بهم البارئ عز وجل.

من خلال تجوالي معهم في أروقة المدرسة الراقية في كل مفاصلها كانت جميع الصفوف تحكي قصص النجاح والحرية والالتزام والفرح بجدرانها الشفافة الملساء وذات الألوان الهادئة، والدرس الممتع الذي يتلقونه من معلميهم يجعلهم في مستوى دراسي ممتاز، فكل شيء متوفر وجاهز لتعليم مبهر وجاد، فالصفوف مكيفة ومقاعد الجلوس فيها من الراحة والفسحة الكثير، ووسائل التبريد والتدفئة توحي بالطمأنينة والحب، فضلا عن وسائل الإيضاح الحديثة والمرسومة بفرش وأقلام مبدعين من أساتذة وطلاب ذات المدرسة معلقة على الجدران بعناية، كلها تشكل صور الاهتمام بنفسية اليتيم ورعايته وما يستحق من رؤية الحياة أجمل مما هي في مسالك أخرى.

 

أنموذجية التجربة

 

كل تعليم يتوفر فيه ما رصدته كاميرتنا في مدرسة «رقية» و»علي الأكبر» للأيتام لا بد أن ينال النجاح والإعجاب، إذ يضيف للحياة الدراسية بوارق أمل، هذا ما لمسته في أحاديث المعلمين والمدرسين حينما تحدثوا عن التجربة بمنتهى الفرح، واصفين إياها بالتجربة النموذجية التي تمكنت من إيصال العلوم المدرسية والأدبية بشكل جيد مع تعليم جاد وواف، فضلا عن الإرشادات الاجتماعية والصحية والدينية التي يتلقونها منهم وكأنهم آباء لهم، والطالب حسب وصفهم يتمنى أن يأتي الى الدوام حتى في أيام العطل الرسمية، وبفضل تعاون العتبة المقدسة واهتمامها بتوفير أداء راق تم اختيار أكفأ المدرسين لتأخذ منهم عهدا على العمل بإخلاص وأمانة لتخريج أجيال من الطلبة المتفوقين.

 

مأمن دراسي

 

الطالب مؤمن علي (ثماني سنوات) يتكلم بلهفة وحب بعد أن أعجبه جمال مدرسته رافقته والدته في احتفالية افتتاحها يقول: «أشعر بالسعادة مع زملائي وهم يتلقون الدروس في مدرسة «علي الأصغر» التي وفرت لهم جميع احتياجاتهم، وقد ارتفع مستوانا العلمي الى درجة أفرحت أمه الأرملة فهي تقول والدموع تترقرق من عينيها وبعد أن حمدت الله وأثنت عليه إنها الآن تعيش في طمأنينة بعد أن أصبح مؤمن في مأمن دراسي جيد ، فقد تغيرت حياته وأصبح ملتزما وجادا، فقد كان يقضي أغلب أوقاته في اللعب واللهو بالشارع مع أصدقائه ولا يهتم بدروسة، وهي تشكر القائمين على هذا المشروع الإنساني الكبير لرعاية الأيتام».

أسرعت إلينا مجموعة من التلاميذ ليبثوا فرحهم بالدراسة هنا وكل واحد منهم يبغي الحديث، يقول علي موسى من الصف الرابع: «إنه وشقيقته التي تدرس في مدرسة «رقية» المجاورة أصبحا من التلاميذ المجتهدين بعد أن كانا مهملين في المدارس الحكومية، وبعد أن فشلا في دروسهما قبل هذا العام، وابان استشهاد والدهما في معارك الشرف نقلا الى هنا لينالا الرعاية والتعليم الممتازين ورفلا بالامتيازات الدراسية التي وفرتها لهما وحققت حلم 

ذويهما». 

فكانت درجاتهما العلمية تتقدم كل شهر، معبرين عن حبهما لكل الهيئة التعليمية التي تحتضنهما وترعاهما وتمسح على رأسيهما كل يوم لمسات الحنان والرأفة واقتداء بكفالة اليتيم التي شرفها الله عز وجل لكل إنسان رعى يتيما وقضى حاجة مؤمن ونال شرف ذلك.