في يومها العالمي الأم العراقية.. تضحيات بلا حدود

بواسطة عدد القراءات : 9958
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
في يومها العالمي الأم العراقية.. تضحيات بلا حدود

بغداد- هدى العزاوي

بعيون زادتها الدموع الساخنة حرقة وحمرة، حمل الاولاد نعش أمهم واجتازوا به أكوام الطابوق والرمل التي كانت تشرف على نقلها لاكمال حلم حياتها، ومن بعيد بدا بيت الفقيدة هيكلا تصفر بجوانبه رياح الأحزان، وغادرته الفرحة مع تشييع جثمانها الى مثواه الاخير. فقد مزقت اصوات الصراخ والعويل حزنا صفاء ذلك الصباح، ما دفع الجيران للتجمع بسرعة وعلى وجوههم علامات الحزن والهلع.

وفيما كان النعش يسجى على 

ظهر السيارة، تيقن الكثير من الحاضرين من انهم فقدوا صورة 

المرأة الشجاعة أم رعد الى الأبد، بعد ان عانت نتيجة استشهاد زوجها، وقررت إكمال مسيرته في تربية أولادها الخمسة، وبناء بيت يسع براحتيه الجميع.

دور جديد

يقول رعد النجل الأكبر للفقيدة بأنفاس متقطعة وألم شديد:

بعد رحيل والدي في تفجير إرهابي، حلت والدتي في مكانه من جميع النواحي، وبادرت بشجاعة بافتتاح محل بسيط في إحدى غرف بيتنا له شباك يطل على الزقاق، وقد كنا لها عونا في مشروعها الصغير هذا، وسرعان ما رزقنا الله رزقا كثيرا، وتسنى لنا هدم بيتنا القديم من أساسه لنبنيه من جديد، وقد تعبت والدتي في عملية البناء، فقد كانت تشرف شخصيا على كل الإجراءات رغم اصابتها بمرض ضغط الدم.

ويقول الاستاذ فالح الموسوي التدريسي في الحوزة العلمية: استنادا على قوله تعالى"وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيماً" فان الدين الإسلامي والشرائع السماوية قضت بأن يكون للوالدين الحق على أولادهم من ذكر وأنثى، وان حق الوالدين يتقدم فيه حق الام على الاب لانها السبب الطبيعي لتولده ووجوده، الام الحاضنة التي غذته وزودته بمشاعرها وعواطفها وخواصها.

إصرار متواصل

منذ البداية أصرت أم رعد على البقاء دون زواج لرعاية أولادها وبناء مستقبل يغنيهم عن الحاجة، وبقرارها هذا قطعت أوصال المودة والرحمة بينها وبين عائلة زوجها، فقد كانت صلة الرحم بالنسبة لأشقاء زوجها تعني ان يتزوجها أحدهم.

ويبين الاستاذ فالح الموسوي، للأم دور في التفريج عن الكربات ورفع النوازل عن قلب أولادها، فان من أصابه غم وحزن وفي نفسه ضنك يلجأ الى الحضن الاول الذي احتضنه وهو علقة، وبعد ان اكتسى لحما واصبح جنينا وارتضع من ثديها برا 

وعطفا وغذاء ونشأ وترعرع تحت رعايتها واهتمامها وما الى ذلك، 

وحتى لو وصل الى مصاف الرجال 

الا انه يبقى في حاجة الى حضنها، 

وكان النبي محمد (ص) كلما نزلت به نازلة ومرت به مصيبة وآذته قريش يلتجئ الى الزهراء (عليها السلام ) ويقول هي ام أبيها اي ان الرسول (ص) لا يتعامل مع الزهراء على انها ابنته الحنون وانما مقامها كمقام الام التي تحتضن ولدها ساعة الشدة والعسرة.

ويقول رعد نجلها الاكبر بعينين دامعتين: 

رفضت الزواج مرارا وتكرارا على مدى سنوات من الضغوط النفسية والاجتماعية التي رافقتها كأرملة مازالت في ريعان شبابها. لقد اتقنت دور الاب الصارم الذي يحتضن 

أولاده ساعة الشدة، ووقفت كالجبل الشامخ أمام مصاعب الحياة ومطباتها ولم يعنها على مصابها الا الله 

"عز وجل".

آهات متقطعة

ويلوذ رعد بالصمت قليلا، ليتذكر والدته التي قضت سنواتها متشحة بالسواد، وهي تتابع بعينيهـــا الجاحظتين موجودات الغرفة، وكأنها متيقنة من انها تلقي النظرة الاخيرة على تلك الأشياء، و قد كانت المرة الاخيرة فعلا. لقد تفاقم مرضها مع متاعب البناء ومتطلباته التي لا ترحم، وطلبنا منها أكثر من مرة ترك الاشراف على العمل والخلود إلى الراحة، لكنها آلت على نفسها إلا ان تكمل البناء، فكانت في سباق مع الزمن لترى حلمها وقد تحقق. 

ويعتقد الاستاذ فالح الموسوي، ان من اسباب استمرار وسلامة نوع الانسان على اساس اجتماعي واخلاقي سليم، هو عدم المساس بحرمة المقدسات الفطرية التي 

اقرها الاسلام، ومنها دور الام في 

الحياة، إذ يجب وضعها في الموقع 

الذي اراده الله عز وجل، وعــدم 

وضعها في دار للعجزة تقاسي ألم 

الوحدة وصعوبة المعيشة، في الوقت الذي يحتاج فيه كبير السن الى رعاية خاصة.

ويختتم رعد حديثه بآهات متقطعة تحرق القلب، متذكرا نعش والدته المغطى بعباءتها السوداء:

غادرتنا بابتسامة عريضة على شفتيها الذابلتين بعد ان أكملت مسيرتها بحرفية فنان ابدع في رسم لوحته بألوانه الزاهية لتبقى ذكرى خالدة في اذهان محبيها، وما زال الكثير من الجيران والأقارب يرونها صورة لكفاح الامهات العراقيات، ومثالا على صبرهن وتفانيهن. 

الصباح

الأكثر شعبية